يكبر جداً هذا الجسد، وتتداعى منه أصوات الحرب. الرأس كلبٌ ينبح طوال الليل. القلب يعدو، مثل حصانٍ بلا رأس. الأمعاء شجارٌ طويلٌ في حانة رخيصة. المعدة جسرٌ متآكلٌ تدوي فوقه القطارات. والرقبة فنارٌ يحترق، بلا كللٍ، في المحيط. لكن الكتف؟ الكتف وسط هذا الخراب، يجلس، يشعل سيجاراً، يبتسم، ولا يعترض على شيء. لهذا، حين يشتد القصف، وتموت كل الأمهات، ولا يرد على الرسائل أحد، ألمس كتفي، فقط ألمس الكتف، لأبصر كل الأشياء. وحين تزدحم الأيام بالفوضى، حين يسيطر اللصوص، ويسود المرتزقة والأغبياء، أهز كتفي، فقط أهز الكتف، ليتساقط رماد الخونة وتتكسر الآمال. وحين يدعو كل شيء للبكاء، وتتجمد الكلمات في الحلق، يصبح الكتف قطعة الأرض الوحيدة التي لم يصلها الماء. وأعود إلى نفسي حين أضع ذقني على كتفي. لأن الكتف رواق المشقة، وسارية القسوة والقلق. لأن الكتف يجعل اليد تسكن، والنظرة تبرد، وهو الذي يبريء الجلد من المعانقات. أميل برأسي على كتفي حين يخترقني سهمٌ طائشٌ فتعود لي الحياة. أضع يدي على كتفي في النوم كي لا تختطفني الريح. وأمرر أصابعي على كتفي حين يشدون الرحال، فأشعر بالوصول. لأن الكتف موهبتنا الأخيرة. لأن الكتف صمت الجسد، وهدوء الآباء الذين تعلموا كل شيء، في اللحظةٍ التي فقدوا فيها كل شيء. ولأن الكتف نقطة الصمت التي نجت، كنتْ التقط صورةً لكتفي كل يوم، لتستمر الأيام. وكان الكتف في مجلد الصور يذود عني، ينزع مني الغضب، ويعلمني الهدوء. وكنتُ أقول حين أرى كتفي: تكفي رؤية الكتفين، ليصعد المرء. لأن الكتف هو الجبل. تكفي رؤية الكتف للحصول على كل شيء، لأن الكتف لا يطلب شيئاً على الإطلاق. ثم استيقظتُ في صباحٍ ولم أجده. وكنتُ ألتقط لكتفي مائة صورة، ولا أراه. كأنه قرر المغادرة في الليل، دون كلامٍ أو أثر. عادةً ما يغادر الجسدُ كاملاً عند الوفاة، والأعضاء التي تشعر بالتعب والفشل، تغادر ربما في حادثةٍ، أو في غرف العمليات. لكن الكتف ليس عضواً يسقط ببساطة، أو يستأصل. الكتف ذاكرة اليد. الكتف بيت القلب. وهو الجسد، الجسد كله. وحين لا ترى الكتف ظاهراً في الصور فهذا يعني أنك أيضاً لست هناك. لأن الكتف آخر السلالة. لأن الكتف مكتبة، وحين تختفي المكتبة فجأةً يختفي كل شيء. وحين أستيقظ من النوم ولا أرى كتفي في الصور، فهذا يعني أنني أيضاً قد غادرت.
