الجمعة، 28 نوفمبر 2025

الكتف

 


يكبر جداً هذا الجسد، وتتداعى منه أصوات الحرب. الرأس كلبٌ ينبح طوال الليل. القلب يعدو، مثل حصانٍ بلا رأس. الأمعاء شجارٌ طويلٌ في حانة رخيصة. المعدة جسرٌ متآكلٌ تدوي فوقه القطارات. والرقبة فنارٌ يحترق، بلا كللٍ، في المحيط. لكن الكتف؟ الكتف وسط هذا الخراب، يجلس، يشعل سيجاراً، يبتسم، ولا يعترض على شيء. لهذا، حين يشتد القصف، وتموت كل الأمهات، ولا يرد على الرسائل أحد، ألمس كتفي، فقط ألمس الكتف، لأبصر كل الأشياء. وحين تزدحم الأيام بالفوضى، حين يسيطر اللصوص، ويسود المرتزقة والأغبياء، أهز كتفي، فقط أهز الكتف، ليتساقط رماد الخونة وتتكسر الآمال. وحين يدعو كل شيء للبكاء، وتتجمد الكلمات في الحلق، يصبح الكتف قطعة الأرض الوحيدة التي لم يصلها الماء. وأعود إلى نفسي حين أضع ذقني على كتفي. لأن الكتف رواق المشقة، وسارية القسوة والقلق. لأن الكتف يجعل اليد تسكن، والنظرة تبرد، وهو الذي يبريء الجلد من المعانقات. أميل برأسي على كتفي حين يخترقني سهمٌ طائشٌ فتعود لي الحياة. أضع يدي على كتفي في النوم كي لا تختطفني الريح. وأمرر أصابعي على كتفي حين يشدون الرحال، فأشعر بالوصول. لأن الكتف موهبتنا الأخيرة. لأن الكتف صمت الجسد، وهدوء الآباء الذين تعلموا كل شيء، في اللحظةٍ التي فقدوا فيها كل شيء. ولأن الكتف نقطة الصمت التي نجت، كنتْ التقط صورةً لكتفي كل يوم، لتستمر الأيام. وكان الكتف في مجلد الصور يذود عني، ينزع مني الغضب، ويعلمني الهدوء. وكنتُ أقول حين أرى كتفي: تكفي رؤية الكتفين، ليصعد المرء. لأن الكتف هو الجبل. تكفي رؤية الكتف للحصول على كل شيء، لأن الكتف لا يطلب شيئاً على الإطلاق. ثم استيقظتُ في صباحٍ ولم أجده. وكنتُ ألتقط لكتفي مائة صورة، ولا أراه. كأنه قرر المغادرة في الليل، دون كلامٍ أو أثر. عادةً ما يغادر الجسدُ كاملاً عند الوفاة، والأعضاء التي تشعر بالتعب والفشل، تغادر ربما في حادثةٍ، أو في غرف العمليات. لكن الكتف ليس عضواً يسقط ببساطة، أو يستأصل. الكتف ذاكرة اليد. الكتف بيت القلب. وهو الجسد، الجسد كله. وحين لا ترى الكتف ظاهراً في الصور فهذا يعني أنك أيضاً لست هناك. لأن الكتف آخر السلالة. لأن الكتف مكتبة، وحين تختفي المكتبة فجأةً يختفي كل شيء. وحين أستيقظ من النوم ولا أرى كتفي في الصور، فهذا يعني أنني أيضاً قد غادرت. 

الخميس، 13 نوفمبر 2025

يستيقظ

 


 ما كان يستيقظ لينهض، بل يستيقظ لينام. يستيقظ من يقظته الطويلة ليمشي حافياً نحو قوس النوم. لأنه لم يكن في النوم حين ألقى جسده في الصوفا، ولم يكن في النوم حين وضع شِقٌهُ على السرير، وموته على وسادة الريش. كان في نهارٍ دائم طيلة حياته، وما كان ليلٌ يجتبيه، وكان في الوهم الذي ظنه نوماً وسباتاً. كانت حياته ظلاً طويلاً لم يأخذه إلى أحدٍ أو إلى أحلام، وكانت مفتوحةً عيونه في الفتح والإغماض، حتى عذبته الرؤية وعذبه كل شيء. لهذا كانت اليقظة في الخروج من الصوفا والعين، وكانت اليقظة الذهاب إلى جسده الميت منذ عقود. وكانت اليقظة الذهاب بجسده إلى جسده، ومن الأجساد التي دخلتهُ إلى جسده. لأنه عرف أنه لم يعرف جسده ولم يذهب يوماً إليه. وعرف أن اليقظة تأخذه إلى أول نوم حقيقي، وأن كل الهجعات في حياته ما كانت نوماً، بل وهماً وأكاذيب تشبه النوم. وجسده الذي جرٌه معه طويلاً فوق أسفلتٍ وتحت مياهٍ ما كان جسده، بل ظلّ أجسادٍ لغرباءَ مشوا معه واستحموا إلى جواره. لأنه كان يريد أن يستيقظ من كل هؤلاء، وكان عليه أن يتخلى عن جسده ليجده، وعن النوم الذي حسبه نوماً، ليجد النوم الذي ما رآه. كان عليه أن يمتلك البأس ليطرد انتظاره الطويل في غرفة انتظار النوم. لأنه ما استقر يوماً في بيتٍ وما امتلك غرفة نومٍ بل غرفةَ انتظار نوم، وما كان يؤذن له بالدخول. وما رأى أحلاماً في ليله الأول الطويل، بل كدماتٍ وسقوطاً وسلباً ونهباً لجسده وبياض عينيه. والآن يستيقظ من خوفه، وما ظنها أحلاماً، وما ظنها حياته. لأن الأحلام كالأمهات، بقعةٌ وحيدةٌ بيضاء فوق حافرٍ أزرق. وما غشيهُ في عمره كله كان بقعاً بيضاء في كل ساق. ما كان يملك مفتاحاً ولا غرفة نومٍ وما وصل إلى أحلامه، لأنه لم يكن يبصر نفسه. لأنه كان يؤدي الوظيفة بعيون مغلقة، ويخرج مع الناس بعيون مغلقة، وكان يضحك حين يضحك، ويعانق حين يعانق، وينتشي حين ينتشي، ويأكل حين يأكل، ويرى حين يشاهد، ويحتسي حين ينتبذ، ويصلي حين يصلي، ويذبح ويجالد، بعيون مغلقة. رجلٌ يريد التخلص من مظاهر العيش، ومن مظاهر النوم. وكلما استيقظ من حلمٍ وجد نفسه في بيتٍ بلا باب، وفي أبواب بلا بيت. لكنه يستيقظ، مثل كل مرة فيها يستيقظ، كي يغسل وجهه، ويمسح على رأسه، ومثل كل مرة فيها يستيقظ، يشرب قهوةً، كي ينام.