الخميس، 13 نوفمبر 2025

يستيقظ

 


 ما كان يستيقظ لينهض، بل يستيقظ لينام. يستيقظ من يقظته الطويلة ليمشي حافياً نحو قوس النوم. لأنه لم يكن في النوم حين ألقى جسده في الصوفا، ولم يكن في النوم حين وضع شِقٌهُ على السرير، وموته على وسادة الريش. كان في نهارٍ دائم طيلة حياته، وما كان ليلٌ يجتبيه، وكان في الوهم الذي ظنه نوماً وسباتاً. كانت حياته ظلاً طويلاً لم يأخذه إلى أحدٍ أو إلى أحلام، وكانت مفتوحةً عيونه في الفتح والإغماض، حتى عذبته الرؤية وعذبه كل شيء. لهذا كانت اليقظة في الخروج من الصوفا والعين، وكانت اليقظة الذهاب إلى جسده الميت منذ عقود. وكانت اليقظة الذهاب بجسده إلى جسده، ومن الأجساد التي دخلتهُ إلى جسده. لأنه عرف أنه لم يعرف جسده ولم يذهب يوماً إليه. وعرف أن اليقظة تأخذه إلى أول نوم حقيقي، وأن كل الهجعات في حياته ما كانت نوماً، بل وهماً وأكاذيب تشبه النوم. وجسده الذي جرٌه معه طويلاً فوق أسفلتٍ وتحت مياهٍ ما كان جسده، بل ظلّ أجسادٍ لغرباءَ مشوا معه واستحموا إلى جواره. لأنه كان يريد أن يستيقظ من كل هؤلاء، وكان عليه أن يتخلى عن جسده ليجده، وعن النوم الذي حسبه نوماً، ليجد النوم الذي ما رآه. كان عليه أن يمتلك البأس ليطرد انتظاره الطويل في غرفة انتظار النوم. لأنه ما استقر يوماً في بيتٍ وما امتلك غرفة نومٍ بل غرفةَ انتظار نوم، وما كان يؤذن له بالدخول. وما رأى أحلاماً في ليله الأول الطويل، بل كدماتٍ وسقوطاً وسلباً ونهباً لجسده وبياض عينيه. والآن يستيقظ من خوفه، وما ظنها أحلاماً، وما ظنها حياته. لأن الأحلام كالأمهات، بقعةٌ وحيدةٌ بيضاء فوق حافرٍ أزرق. وما غشيهُ في عمره كله كان بقعاً بيضاء في كل ساق. ما كان يملك مفتاحاً ولا غرفة نومٍ وما وصل إلى أحلامه، لأنه لم يكن يبصر نفسه. لأنه كان يؤدي الوظيفة بعيون مغلقة، ويخرج مع الناس بعيون مغلقة، وكان يضحك حين يضحك، ويعانق حين يعانق، وينتشي حين ينتشي، ويأكل حين يأكل، ويرى حين يشاهد، ويحتسي حين ينتبذ، ويصلي حين يصلي، ويذبح ويجالد، بعيون مغلقة. رجلٌ يريد التخلص من مظاهر العيش، ومن مظاهر النوم. وكلما استيقظ من حلمٍ وجد نفسه في بيتٍ بلا باب، وفي أبواب بلا بيت. لكنه يستيقظ، مثل كل مرة فيها يستيقظ، كي يغسل وجهه، ويمسح على رأسه، ومثل كل مرة فيها يستيقظ، يشرب قهوةً، كي ينام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق