كلَّ صباحٍ، وقبل أن نستيقظ،
يستيقظ الحاجبان.
ثم في المساء،
يسبقان الجسد إلى النوم،
يمشطان مسالك الحدس،
ويربطان الحصان الضرير
بسياج الصمت،
ويتخلصان قبلنا
من الضوء والليل.
لأن هناك طفلاً يتعذب
في الحاجبين،
وجرحاً أبيض لا يندمل
في المسافة بينهما.
حاجبان تعودا على استباق الأشياء،
وانوجدا قبل انوجاد الكلام،
قمرين من ظلام
يحرسان سماء الوجه،
وينسحبان حين يغمر الكلامُ كلَّ شيء.
حاجبان هما الفاصلُ
في كتاب القلق،
والتعويذةُ التي تمنع
صفحةَ الوجه من الانهيار.
هما الشرطُ الصامتُ للنظر،
والشقُّ الذي يجعل الضوء
قابلاً للنفاذ.
حاجبان من وجلٍ عميق،
ليسا قوساً للزينة، بل للبقاء،
وموجاتهما لم تُخلَق للكلام،
بل للبطء.
هما الحيوان الغامض،
الذي يشعر بالهزة مبكراً
قبل البصر والسمع،
والملاكان الأسودان
اللذان يمنعان العيون
من الهيام على وجهها
في الأرض.
أحاول أن ألمسهما
كما يلمس الشاعرُ
حرفاً متردداً،
أو كما يلمس الليلُ
حافةَ قمرٍ ناقص.
لكن الحاجبين ينفران،
فهما ليسا للمس،
بل للتأويل.
يظلان هناك،
تحت الناصية،
مثل حاجزين من حُلُم،
وجسرين من غضب،
يحملان ما لا يقوله الجسد،
ويعلّقان التعب
على مقربةٍ من العينين،
كي يبقى البكاء
فكرةً لا دمعة.
وحين ينخفضان،
كجناحين مُرهقين،
أعرف أن المعنى
قد بدأ يخبو،
وأن الوجود،
كعادته،
قد قال كلَّ شيء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق