الجمعة، 27 مايو 2022

أخذتكِ المرتفعات



كان صوتكِ يضع حدوداً لليل. 

كنتِ تضعين الصمتَ في مكانه وتمنعينه من امتلاك العيون.
 كان كل شيء في الكون في مكانه الطبيعي حين كنتِ تتحدثين. لكنّ مخلباً شفيفاً للنوم بات يأخذك مؤخراً لتنامي كل ليلةٍ في المرتفعات. ثم مستغلاً غيابك يقتلنا الليل.

كان صوتكِ فرصةً أخيرة للخروج من كل شيء. لكنكِ ملتِ إلى الدعة والظلال. 
كان صوتك فرصةً لظهور الطريق وانحسار الفراغ. كان صوتك أمل الوردة وروح العطر. لكنك هكذا تحبين البرق والفكرة العابرة أكثر من الناس والأمطار، وتمنحين هالة صوتك للجبل كي يواصل اليأس والارتفاع.

كان صوتكِ خميرةً يجهل أصلها الخبازون وصانعو الخمور.كان يمر مخابز المدينة كلها في لحظةٍ واحدة ليصلح العجين، ويشعل شمعةً في قبو العناصر و الاحتمالات.
 
كان صوتك غسّالةً هائلةً بلا صوت. يغسل ملابس الغرباء الذين يمرون بك، ويجفف ملابس الأولاد الذين ينتظرون قمصانهم الوحيدة ليذهبوا إلى السأم والأصدقاء.
كان صوتك هواءً مشمساً يهزّ حبال الغسيل في المدن المصابة بالقمل. كان يداً قوية تنظف الأرض من التبغ الرديء ومن الأثرياء.
كان يداً تلعب مع القطط التي تشعر بالملل من نومها الأرضي الطويل، وماءً قاطعاً يزيل القذى من العيون والحمائم من الشبابيك.

كان صوتك الماءَ الذي يعالج فساد الأنهار.

أنت لا تدركين أن الطبيعة تتكيء عليك.

أن العشب لا يظهر بسبب الغيم بل حين تخرج من فمك (الشين). أن الظلَّ لا يمتدّ بسبب انكفاء الشمس بل بفعل الراء التي تسقط مراراً منك دون اهتمام.
وحين تطيرين مع الجبل لا تقولين كيف يزيل الناس أثر (الجيم) التي خرجت منك والتصقتْ بالهواء؟ لا تشرحين كيف خرجت الإنسانية من (السين) التي انسربت من ثناياك وأنت تتحدثين بكل هذا العدم وكل هذا الهراء؟

لا تدركين أيتها الغافلة أن الطبيعة تحتاج صوتك لتكون.

تقولين إنك متعبة من الاستواء وتحتاجين إلى الأنقاض. إنك بحاجة إلى الكنبة أكثر من الكلام. إلى حضن شخص ليس له وجه ولا مستقبل ولا يدان.
وأقولُ صوتكِ حضنُ نفسه. فكيف يحتاج الحضن إلى حضن؟ ولماذا ترتاح جراحك في المخالب والمرتفعات؟

أنت لا تدركين أن الطبيعة تتكيء عليك.

وتجهلين أنكِ حين تضعين باستمرارٍ حاجزاً هشاً مثل (أظن) وسط كلامك، ينهال علينا اليقين.

أيتها المتعبة الهاربة من الكلام الضئيل .. كان الهدوء الممطوط الذي يبلل(الميم) في كلامك ما ينقص الكون ليرتاح من كل هذا الكلام.

 

الأربعاء، 18 مايو 2022

زهرة الملل

 


السفر إلى مكانٍ جميل، موسيقى الحجرة، أناقة الصديقات، سهرة اللوز والتوت والعطر، الحب وما قبل الحب، النبيذ الأبيض الموسوم ب(الذيل الأصفر)، النبيذ الأحمر المسمى ب (الذئب)، الجعة الذهبية البافارية أو تلك الإيرلندية السوداء بطبقة الكريما،  الفتيات المصقولات في حلبة الندم، المرسى المدجج بالقوارب الغضة البيضاء، القطط والطفولة والشاي، المشي والتدخين، النافذة ووهم النافذة : فواصلٌ بيضاء في كتاب الملل.

أفكر بالملل. هذا الإله الذي يتيه في الناس وينسى كيف يعود إلى العرش. هذا الذي ملّ من هدوء الملائكة وفاضت كأسه على الأرض.

 هو الجمرة والكلام الناقص. الزهرة والغبار الموسمي. الصخرة السوداء التي تسيطر على الغابة. الفاكهة في كانڤس الطبيعة الصامتة.  الملابس المعلقة على الحبل منذ أسبوعين. مكعبات الثلج والفحم. سجادة اليوغا والصلوات. رجفة الماء في قنينة الماء. الصوت الحلو في إرسال مشوش متقطع. الحقد القديم للنرد. الغجري الذي يخطف أبناءه ويرسلهم للحروب. الساتان والصوف، الأبواب الزرقاء على البحر، الجرانيت  في بيت العائلة، الشمس في ظهيرة الرياض، والثعالب الضالة في الليل الإنجليزي. ونحن جند هذا الإله الحزين، المحكومون بصقل سهوه وشروده طيلة الوقت.

لا شيء تعلمنا إياه مئات الطائرات والبهجات الخاطفة. إنها لا تترك حتى أثر عضة، ولا ما يشبه الطلقات الفارغة التي يتركها الجنود الذين قتلهم الملل في الصحراء.

أفكر بأول رجل شعر بالملل، هل كانت تنقصه الحجارة والسهام كي يقتل الصحراء؟ هل كان رجلاً بالفعل؟ امرأةً؟  أم رجلاً وامرأة ملتصقين في سرير ؟ هل كان في كهفٍ أو حانةٍ أو معبد حين ظهرت له زهرة الملل فأطلق الصرخة التي تجثم فوقنا الآن؟

 أفكر بالملل. ألم يكن هزةً ورعشةً في العشية قبل أن توقظه الشمس ويخترقه الصداع؟ ألم يكن حجراً سعيداً في الغدير؟ 

أفكر أن الصباح أصل الشرور. والليل أشياء ليست لك. أفكر بالأسلاف الذين اخترعوا المودة ثم ماتوا لم يسمحوا لنا بالطيش. لو أننا بلا آباء لعرفْنا كيف نقتل هذا الليل.  ولكن ما فائدة هذا الآن؟

مللٌ في الممرات لا يحتاج  إلى شعلة أو مصباح. يعثر بلا جهدٍ 
عليّ، يترك برازه الصمغي على رئتي وينتهك جسدي طيلة اليوم. 

هذا الجسد الذي ينزّ منه الصمت، يشبه عامل منجم مات في انهيارٍ قبل سنوات. قتلته أعمدة الملح وهو يبحث عن عروق الأمل، وظلّ الملح يحرس جلده بإخلاص، من أسنان الجميلات.

الثلاثاء، 17 مايو 2022

الغضب على الظهير



نشاهد الليلة نفس الوثبات البائسة من ظهير فريقنا الكسيح. نضع ثلجاً ملوناً في زجاجة التنباك ونسحب سيلاً طويلاً من اللعنات. ونقول إنها خطى. وهذي الخطى لا تقود إلى صيحة أو جناح. نقول إنّ هذي الساق جرحٌ قديم يحرث العشب، وهذي اللمسة موت بطيء.  مخطيء من يقول الملعب يتسع حين يركض الظهير. من يقول العشب يشعر و الهواء يحس والسماء ميعاد. لأننا  شاهدنا الظهير يعرق منذ أعوام ولا يخلق أي فرصة للطيران. ثم شهدنا اللعنات تتدحرج فوق ظهره من أعالي المدرجات. لكن لم يكن لدينا ما نلعنه سواه.  هذا الركض الطويل العقيم. كأن هناك إصراراً من جهة ما على جريان الكرة من مجراه. لم تجر كرة سوى بين ساقيه المقوستين. لم يركض أمامنا إلا هو ولم يتوقف فجأة سواه. وكانت عيوننا بسبب ذلك محاصرة في الرواق الشمالي. وكان على لعناتنا أن تتبع مسار الملل الأعسر. 

كأن الظهير هو المتاح لغضب ورثناه من أسلاف مكسورين. نتمسك بالفرق الخاسرة لأننا خسرنا الأصدقاء والحياة، ونلاحق فريق الطفولة العقيم لأنه فرصتنا الوحيدة في التعلق. لأنه الشيء الوحيد الذي لا يتخلى عنك. تتخلى العائلة والبيت. لكن فريق الطفولة المنهار لا يدعك للصمت. 

قلت للنديم وهو يشاهد طلعةً فاشلة للظهير إن الظهير بالذات ليس سوى غضب هش يجري باستمرار.

قلت إنه لعنتنا القديمة التي تخرج من أدمغتنا لتركض في الرواق ونلعنها معاً على الهواء. 

نصدّقُ أنه يسمع صراخنا في خلق المساحة، واتخاذ القرارات. نحن الذين لم نتخذ في حياتنا أي قرار.

لكننا نسهر من أجل فكرة الشتم. 

أحياناً كي نأخذ نفساً طيباً نحتاج أن نشتم شخصاً قليل الحيلة قبل النوم. أن نرى لعنتنا مجسدة أو مصلوبةً في ميدان. هذه هي الفكرة من وجود تسعة وتسعين ظهيراً فاشلاً بين مائة ظهير. وقد انتظرنا من ظهيرنا أن يصنع جملة أو موجة أو فرصةً لكنه كان يكتفي بالوصول إلى الخطر دون هدف واضح أو رغبة في الاختراق. كأن أقدامه لم تخلق للانعطاف. كان لعنة تركض إلى الأمام بخط مستقيم و تعود بخط مستقيم. وكانت هذه هي مشكلتنا في الحياة.