الجمعة، 11 يوليو 2014

أنا أخوك








أنا أخوك. نزيل مقعد السيارة الخلفي كل يوم في الطريق إلى المدرسة. ولدتُ في المقعد الخلفي من سيارة العائلة، ومطلقاً لم أغادره. وهذا ليس مهماً فأنتِ الشقيقة الكبرى ومفهوم أن تستأثري بالمقعد الأمامي.  لكنني أتعذبُ كثيراً لكونك كنتِ مسكونة بغضبٍ غامض. وليس مهماً أنني أيضاً كنت كيس تمرين الملاكمة الخاص بك. ليس مهماً أن كل موجة غضبٍ تهبّ عليك في السيارة تتكسر كانت على وجهي، وأن أي تعليقٍ عابر أو باردٍ مني يجعلكِ تلتفين فجأة على المقعد الخلفي لتسددي إليّ  لكمة أو صفعة خاطفة. ما يهم هو أنني ، حتى ويداك تنهالان عليّ، كنتُ أتعذب من أجلك

الآخرون يقولون إنك تحقدين على شقيقك لسبب غامض، حتى وهو يجلس وينام طيلة عمره في المقعد الخلفي. لكنني كنت ولعقودٍ لا أريد سوى أن أخنق غضبكِ الذي يفترسكِ أمامي، دون أن أفكر بالانتقام أو أن أصدق قصة الحقد.  وحتى عندما كبرتُ وصار لدي جسدٌ قوي، وتحولتِ من تسديد اللكمات إلى تسديد الكلمات الخشنة إلي، كانت عيني تربتّ عليك، ولساني ينسحب بهدوء تماماً مثل قطة البيت. فما كان يقلقني ويشغلني هو أن أفهم جذور ذاك الغضب الذي يحتلك منذ عقود.

 واليوم وأنا في العقد الرابع، وأنتِ لا زلتِ نزيلة ذات الغضب، ربما لا تدركين كم أفتقد مقعدي الخلفي في الطريق إلى المدرسة، وأفتقد المسافة القصيرة بين كيس الملاكمة ويديك. فعلى الأقل كنت في المقعد الخلفي أشرب غضبك الذي لم أستطع أبداً سبره. كنتُ في السابعة من العمر أبكي عليك لا بسببك. والآن في الأربعين لم يعد مناسباً أن أستمر ككيس ملاكمة يهتم بنوباتك الغامضة، ولم أستطع أن أبتكر طريقةً مقبولةً كي أقترب من شذاكِ أو أمتص أشواكك كما كنا في سيارة العائلة. وما يؤلمني حقاً هو أنكِ لم تتخلصي طيلة حياتنا من تلك الكهرباء التي سرقت صوتك الحلو وعينيك النهريتين اللتين حصلتِ عليهما من أبي مثلما حصلتِ منه على المقعد الأمامي.

أنتِ تعلمين أنني لستُ ماهراً مثلكِ في كتابة القصص والقصائد، ولا في التعبير عن المحبة مثلك. وأنتِ أيضاً تظنين مثل أمي أنني مكعب ثلج صامتٍ لا يحبذ ترك القالب، وأن قلبي يتحرك فقط حين ألمس كرة القدم، حتى إنني لا أتذكر كم مرةً مارستُ رسم القلوب بأقلام التلوين. لكن كيف فاتكِ أنني أبكي بصمتٍ عليك منذ أربعين عاماً، كما تبكي بهدوء ناعم قطنةٌ مبتلة. ودعيني أسأل: هل سُمح لأخٍ من قبل أن يرسم قلباً أحمر لشقيقته أو أن يدسّ تحت باب غرفتها رسالة حب بخطٍ سيء. هل ترك أحد الروائيين الذين تعرفينهم أكثر مني رسائل حب إلى شقيقته. أنا لا أعرف حقاً ولا أستطيع توصيف هذا النوع من الحب بشكل واضحٍ لأنني أقل قراءة وموهبةً منك، ولأنني ولدٌ عليه أن يركض  فقط. لكنني أظن أن حبكِ يعني ببساطة  ألا أراكِ غاضبة، وألا أسمح لأحدٍ أن يغضبك، حتى لو استدعى الأمر أن أهشّم رأسه ، أو أن أصبح حين تثورين بلا سبب كيس تمرين الملاكمة الخاص بك.

 والآن، أعلم أنه مثلما لم يسمح لي في السابعة أن أدسّ قلباً أحمر تحت باب غرفتك ، أعترف أنني لن أستطيع دس هذه الرسالة اليوم في موبايلك. لكن الولد سيء الخط الذي تسمونه مكعب الثلج أراد أن يقول لحبيبته: أنا أخوك. 

الاثنين، 7 يوليو 2014

مثل قوقعة تصغي إلى نفسها







مثل قوقعة تصغي إلى نفسها، قرطاكِ يشربان النداءات الأخيرة للرجال الذين أغلقتِ على أصابعهم الماء والليل.

تحدث أشياءٌ مذ عدتِ من البحر: تختنقين بالورد والريحان. وتبدأين باقتناء القطط بعدما تجاوزتِ الثلاثين.  

تحدثُ أشياءٌ بعد أن عدتِ  من البحر: تفقدين غمازةً واحدةً، ولا إلى أحدٍ تشتاقين. وكأنما الأشواق دفنتِها في نقرة الخد. 

تحدثُ أشياءٌ مذ عدتِ من البحر: تمطرُ أكثرَ من المعتاد في الصيف. تفضّلين الفضة على الذهب، وتفقدين القدرة على الحزن. 

ومثلَ قوقعةٍ تصغي إلى نفسها: تحفظين كلَّ قصص البحر، لكنكِ لا تفهمين أبداً جزعَ الذين ينتظرون على البحر. تعرفين قبلي كل أغنيات البحر، لكنكِ تجهلينَ أثرَ الملح في الحنجرة. 

تحدثُ أشياءٌ مذ عدتِ من البحر: تزدادين جمالاً، ولا تمرضين، لكنكِ تفقدين القدرة على الحب. أما عيناكِ الطيبتانِ فباتتا لعنةَ من يراك، ومذبحاً صغيراً للذين انتظروا طويلاً على البحر. 

تحدثُ أشياءٌ مذ عدتِ من البحر: صوتكِ يضيءُ في الجريدة، في التلفاز، ووسائل التواصل، لكنني لا أراه. وكأنّ صوتكِ الذي أجيدُ  قدْ دفَنَهُ نواخذة في عَرضِ البحر. 

ومثلَ قوقعةٍ تصغي إلى نفسها: تؤتَين الحكمة، وتسافرين كل ليلة، ولا يؤثرُ موت القريبين فيك.

فجأة أصبح لكِ شعرٌ قصيرٌ وجناحانِ من فضةٍ وصمت. وكأنكِ اصطدتي في رحلتكِ البحرية أعشاب اللامبالاة والكلام المهذب الذي يطيل ساقيكِ وسالفيك، تاركةً إيّايَ أتحدثُ بإعجابٍ وأسى عن بسالتكِ في التَرك. ويا إلهي.. كيف لم أنتبه أنكِ صرتِ قدّيسةً بعدما عدتِ من البحر، وأنّ عينكِ التي لا ترفّ قد حوّلتني إلى سائحٍ يبحث عنكِ في (التحولات) ، ويجمع من أزقة أثينا تماثيلكِ الرائعة. 

الخميس، 26 يونيو 2014

إن كنت َ وحيداً في سانتوريني




إنْ كنتَ وحيداً في سانتوريني فامشِ في البحر. أو كنتَ غريباً في سانتوريني. غنِّ للبحر. فالبحر من كثرة العشاق وحيدٌ في سانتوريني. ووحيدٌ أنتَ من قلة الموت.
البحر من كثرة الجميلات في سانتوريني .. أرَقٌ أزرقٌ ووشومٌ تسيل. والبحر لطول ما أعطى كتفيهِ يتيم.  لا المراكبُ تسندُ البحر، ولا الحزنُ في لهجة البحر يشيخ. 
البحر محبرة الخسائر. ونحن نسينا كيف نكتب بالبحر بعد أن نقلنا البحر إلى مجلد الصور في الهاتف. لم نعد منذ نوحٍ نفهم البحر، تكررت أخطاؤنا في الحب، وانتظرنا عبثاً غصن زيتونٍ، ولم تأت الحمامة. لا يهم. لعلّ الحمائم جاءت ونحن في النوم. حملتْ لنا هواتفنا الذكية لا الغصنَ. ولم نعرف بعدها كيف نكتب بالبحر، ولا مثلاً كيف نأخذه للتمشية قبل المغيب. ووحيداً أصبح البحر. 


إنْ كنتَ في حانةٍ  أو مقهى في سانتوريني.. فلا تبكِ بظهرٍ مكشوف. لا تعط ظهركَ لامرأةٍ أو لشمسٍ أو أغنية. فالعيون الزرقُ المعلقةُ في الحوانيت، والعيون الزرق الطافحةُ في الحانات لا تحفظان الوحيدَ من السوء. 

إنْ كنتَ مثل تلك الألوف جئتَ ترصدُ الشمسَ في سانتوريني. إنْ جئتَ من أقصى الأرض، وتسلقتَ وصعدتَ، لتنال في العشيّات نسختكَ اليوميةَ من صورة شمسٍ تموت ، فابكِ وحيداً، وليكن ظهرك َ للحائط. ابكِ ولا تدع يداً غريبة تحطّ على كتفيك. فيك ما فيك. والغرباء كشمس سانتوريني ، ظلٌ فاتنٌ من هدأة البراكين يفيض ثم يغيب. الغرباء نبيذٌ عابرٌ وشموسٌ معتقةٌ في خوابي السماء. والسماء حاكمةٌ. والنبيذ طريقةٌ وليس طريقاً. والغريب وردةٌ على كتف الطريق، لكنه ليس الطريق. 

إن كنتَ وحيداً  في سانتوريني فتقبّل نظرةَ النادلِ حين تطلب طاولةً لشخص واحدٍ، ولا تتضايق من نظرة سائق الحافلة حين تقطع تذكرةً واحدةً ، ولا من دهشة القبطان حين تكون الوحيدَ الذي يخرق مبدأ الزوجين الاثنين. لكنكَ حتماً محظوظٌ، لأنك تنجو من قُبَلِ  العشاق وقت الغروب. فالقُبلةُ أمام شمسٍ تموتُ فقدٌ قريب. وأنتَ فيك ما فيك. والبحر في سانتوريني أصبح الآن فيك. 

السبت، 5 أبريل 2014

هيموفيليا



(هيموفيليا)



سكين مطبخ في يد طفلٍ مصاب بالهيموفيليا

سمكة زينة في عيادة أسنان

أكعب عاليةٌ على الشط

جديلة طفلة يابانية في الحرب العالمية الثانية

أسنان ذهبٍ وكمنجة مدفونة في قبر غجريّ

: ضحكتكِ الأخيرة قبل الوداع

@@@@@

رغبة يدكَ الملحة في تعديل اللوحات المائلة في بيوت الأصدقاء.  في تزرير الزر المفتوح سهواً في ثوب العريس. في تفويت الركعة من أجل تعديل حذاء مقلوب. في مسح لطخةٍ عالقة في نظارة الشقيق. في إطفاء النور المنسي في سيارة الغريب. في استضافة طرد كبير للجار الذي لا يرد على الطَرْق. في تنبيه امرأة تَعلَقُ عباءتها بباب سيارة مسرعة. في حماية طفلةٍ على وشك الاصطدام بعربة تسوق. في تعديل نقاب مائل لامرأةٍ في المول. في إحكام ربطة عنق رجل الأمن. في تنظيف الملاعق والسكاكين كما ينبغي في المطعم الشهير. في إصلاح الأخطاء الإملائية في لوحات المحلات. في صيانة أضواء النيون الخَربة في مصاعد البناية. 



الرغبات الملحّة  ليدك التي لم تهذّب أظفارها منذ أسابيع.


@@@@@@

لأن الله لا يعيد الكتب التي استعارها منك..
لأنكَ  لم تُصبح  كتاباً في يد أحدٍ ما..
لأن المسدسات غير المستعملة اختفت من السوق..
لأن الكيميائيين أضاعوا المعادلة..
والناس تمّ تسكينهم في هواتف ذكية


تستمرُ في تنظيف البيت الذي يخلو عادةً منك.


@@@@@@

الوردةُ كلما قبّلها كلما أورق في جسده اليأس
. كلما استمع إليها ماتت عضلة في ساقه.
كلما مرّر يده على شعرها 
رأى خونةً ومراهنين يتسللون
 ويحقنون جياداً في الليل.
الوردة ليست للشعراء. 
الوردة للقناصة وراكبي الدراجات النارية.

@@@@@

في عنقهِ تفاحة آدم. 
لكن الفتيات يفضلن رمي النبال على جدران الحانة 
والموت مشغولٌ بمواعدة السعداء.


@@@@@

من المرعب أن أحداً لم يتحدث عن صوتها
مرت قرونٌ وكأن الغزالة زاهدةٌ في الكلام.
أو أن حنجرتها ضمرت من شدة الذعر والجمال
 منها اكتفينا بالنظر
 واكتفت بصلاة الخوف.


@@@@@

كأنكِ ال g في ال champagne 
لا أحد يستطيع نطقك. لا أحد يسكر إلا بك. 

@@@@@

أمَّنا التي تنام كل ليلةٍ في منتصف القصة.
يا العنبة المسيجة بالصقيع. 
لا زلنا نضع الثلج على خاتمكِ الطريح
ونسخن قهوتك منذ شهور.


@@@@@

أُهديكِ المزيد من أقلام الكحل، فيما بصري يختفي بالتدريج

@@@@@

الحجر سودناه بالخطايا. والغراب بالحُب.

@@@@@

قلبكِ سكينٌ سويسرية. قلبي زجاجة نبيذٍ عابرة

@@@@@

لم أعد بحاجةٍ لمنظم ضربات القلب. فقط أحتاج حذائكِ الرياضي

@@@@@

فمكِ الآن جندولٌ أزرق في فلاة.

@@@@@

والحياة إثركِ مباراة تنس طويلة بحذاء ضيق




الأحد، 12 يناير 2014

أطعمُ أسمائكِ الطير





اسمكِ يا اسم الأشياء في حناجر الطير. اسمكِ الذي كان في تفاحة آدم وأخرجنا من فخاخ اليقين صار في حناجر الطير. واسمكِ الذي هبط معي إلى الأرض بات سبابة الفقير في التشهد الأخير . اسمكِ الأسماك دائخة وسعيدة في شباك الصيادين. اسمكِ الضروري العاجز الرؤوم مثلما فتيلةُ السراج في منزل ورّاقٍ ضرير.

وأنا الذي أبحث عنكِ أرسل خلفك الطيرَ كل صباح. فمذ فقدتُ خاتمكِ وألغى موظف الهجرة  تأشيرتي وأنا أطعم أسمائكِ للطير. ومنذ مُنعتُ من السفر إليكِ وأنا أكتب اسمكِ على بقايا الخبز وأنثر الفتات الممهور باسمك للطير في باحة البيت وللبط في البحيرات. فاعذريني إن كان اسمكِ الآن يلمع في أعين البوم والحساسين وينبت في أجنحة الحمام والغربان . فالعثور عليك أضحى مهمة كل الذين يُسمح لهم بالطيران. واسمكِ يا اسم الأشياء لم يكن في قلبي دائماً على القائمة البيضاء .

 أعرف يا حب أنك تكرهين الغربان. لكن للغربان فضيلة الوضوح  في التعبير.
 تنفرين، أدري، لأننا شاهدنا غرباناً تلتقم الطيور النافقة والفئران. لكن كان علي أيضاً أن ألفت النظر إلى بشاعة عدم تمكني من النظر إليك.

والآن لن أكون الوحيد الذي يَسقط اسمك من عينيه حين يبكيك في الليل، فمعي الحمائم تهدل اسمك المضيء، والبوم كل ليلة يضع الليل في مواجهة اسمك الصعب.

 أما السنجاب الذي تسلل مرة وخطف الخبز المدموغ باسمك فلا أدري ماذا سيصنع باللوعة حين يسند ظهره للجذع ويلتقم اسمك الحلو. هل سيحبك مثلي ويحضر كل صباح حفلة توزيع اسمك على الكائنات؟ 

أعلم أن  كيس فتات الخبز الذي أجهزه كل صباح ليس الطريقة الناجعة للبحث عنك في الماء والهواء والتراب.  لكن فكري أنني كسيرٌ وضريرٌ وأنني أحقن العالم باسمك كي تبصرك الكائنات، ويتحسن عشية اسمكِ صوت اليمام. فكري أيضاً أن ملامحك الحلوة ستظهر ذات يومٍ على الطيور والسناجب التي تستظرفين،  وأن البط  سينكرُ  صغاره الذين باتوا يشبهون امرأة الرجل الذي يطعمهم الفتات نهاية الأسبوع.

فكري أن الحياة امرأة بشعر جَعدٍ ، وأنني أطعم العصافير اسمكِ كي تمشّط  شَعر الحياة.

الخميس، 10 أكتوبر 2013

يأخذ الله الأم. يأخذ البيت


 

يأخذ الله الأم من البيت. يأخذ الله البيت. ينزع الصفحة البيضاء من كتاب الليل. تمّحي أسنان المفاتيح. تندمل مقابض الأبواب. تهرم الأقفال من طول النظر إلى ميداليات من قطفتهم الحكمة وأمعنوا في الرماد. تتلاشى السجدات من مصحف العائلة وعلامات الوقف. تتخلى الأعناب عن رشدها في الطريق إلى السوق. يفسد البيض في قن الدجاج. يشتد برد القهوة . يفتك بوحدته الهيل. السدرة فوق مذبح العائلة تتوقف عن الإنجاب. الندى على السياج دمع عائلة تفقد همزتها كل مساء. المغزل يمسّد عنقه في العتمة، منتظراً يد المرأة التي كانت تخرجه من حقيبة الأيام وتباهي به.  الإبرة تفقد عينها بعد نزول الملاك. يبتلع طفلٌ جائعٌ جمرة ويكتب قصيدته الأولى: قسوة الملاك.

آن يأخذ الله خاتم الأم البحريّ تفقد المصابيح قدرتها على الوقوف. الكؤوس في المطبخ تميد. الثريات ترجف كأثاث سفينة تشم حتوفها في المحيط. يلمع وجلٌ حلوٌ في أعين الحيوانات الأليفة، ويتحدث فقراء المدينة عن هزة خفيفة شعروا بها قبل الغروب.   

كان يكفي لون خاتم الأم (الشرقي) للمؤاخاة بين ألوان مساحيق المعلمات المرهقات، لترتيب الخوف على أسرة الأطفال المحمومين، لتلطيف ألوان الرجال الذين خسروا الأمل في البورصة ومحافظ الحياة. كان يكفي الخاتم لتحيا البوصلة ولا تتغضن الجهات. كان يكفي خاتم الأم كي تدير خراف العيد وجهها للقبلة بخشوع، وتلمع حُلي الصغيرات، ودلة الرسلان. 

وحين تبتلع الأرض خاتم الأم يهرع الملاك صاحب البوق الضخم إلى بوقه يظنها الإشارة المنتظرة  لقتل الشرور على كوكب الشر. وهناك، من مكان ما على الكوكب يرسل شخص برقية في الفجر: أيها الموت قطفنا لك الليمون وما انكسرتْ. دلكتْ شقيقاتي قدميك بالفل ولم تتورع عن الأمهات. أسقتك البنات سكّر النبات ستة أشهر ولم يصبح صوتك جميلاً. أما أنتِ أيتها المرأة الوحيدة فلا تقعي في الفخ. أيتها المرأة الوحيدة مثل قصيدة: لا تحبي رجلاً ماتت أمه. فقد كان قلبه في الفص البحريّ لخاتم الأم التي ماتت بالأمس. 

يأخذ الله الأم من البيت. يأخذ الله البيت. تقف الساعة المعلقة في البيت. ولا تعود التكّات تؤنس الأولاد الذاهبين منتصف الليل ليتخلصوا من الأذى والبول. تموت ساعة الحائط لأنه لا يعود أحد يطعم الساعة في الضحى نظرته الوارفة، أو يقص عليها وهو ينشج قصة الإفك من كتاب ممزقٍ وعتيق.

يأخذ الله الأم من البيت، يأخذ الله البيت. ولا تعود الجارة التي أثرتْ كبائعة جائلة تحصل على حصتها من البركة. لا، ولا سقف البيت يحتفظ بذخيرته من أعشاب أرامل الحي، ولحاء العناية بشفاههن، أو بخور أصواتهن في الضحى الحميم. 

وحين لا أم في البيت: تلغي الشقيقات البعيدات الحجوزات. يغور الكحل في مكاحل الفضة. الديكة تفقد بصرها بوتيرة أسرع، وتتأخر عن سور الفجر. المذياع المخفور بالجلد البني يعاني من هزة الفقد، وضربة على رأس الحنين:الباحثون يجدون صعوبة في الدفاع عن أنفسهم في الأطروحات الجامعية التي تبث في الصباح. الراوية الشهير يخطيء ويتعتع في أبيات شاعرات نجد. عازف الربابة ليس في يومه. والعلماء  يتلعثمون في الفتوى المذاعة بعد العِشاء الأخير. 

حين لا أم، لا الطريق يفضي إلى البيت. ولا المركبات تحيد عن الطريق إلى سدرة البيت. خيلٌ معصوبةٌ في سفائن  شحن تشم مرابطها في القرى. والقرى بيد الله. 


الجمعة، 19 أبريل 2013

نتحدث مع الأجراس عنك



لأن جرساً واحداً في اليد ليس خيراً من عشرة على الجدار.

لأن النسيان ضبعٌ لا يتورع عن حناء  الأمهات ولا ينحني لأعشابهن المعتقة.

ولأن الجرس المعلق بسلسلة المفاتيح يختفي بشكل غامض كل مرة في حقيبة الأم المعبأة بكل شيء: من علكة المستكة إلى اسفنجة تلميع الأحذية. من دليل هاتف الصديقات الراحلات إلى حلوى الأطفال المنتهية الصلاحية. من إبر السكريّ إلى سكرو درايفر العوينات. من شجرة العائلة إلى أكداس مفاتيح البيوت المباعة وسيارات الموتى القديمة. من قصاصات الصور الشمسية إلى علب أحجار المرّ وحبة البركة....

من أجل ذلك كان لا بد من أجراسٍ لاسلكية لاصقة مثل بلاستر الجروح.

 أجراس تعمل بالبطارية ويمكن إلصاقها بالنافذة، بالسرير المعدني، بالعكاز الرمادي، بمشّاية الشيخوخة، بكرسي الحمام، بالكرسي المتحرك، بالأثاث ، بديكور السيارة الخشبي. بكل مكان مساحته خطوة يمكن ان تذرعيه وينقطع فيه نفسك، او تنفجر فيه مثانتك الخربة، قبل أن يصل الصوت لأحد. 

جرس في اليد ليس خيراً من عشرة على الجدار. لأن اليد تخرّف وتنسى. والخادم تختفي أحياناً للصلاة أو للمعاكسة. والبطاريات لا تدوم مثل وجه الله.

جرس في اليد ليس خيراً من عشرة على الجدار. لأن أنفاسك مخادعة وتنفد، وغطيط الأبناء مع زوجاتهم لا ينفد.

ومثل من يذهبون للحرب ويزنرون أجسادهم بذخيرة فائضة عن الحاجة. تزنرين جسدك الرقيق بالأجراس، وتذخّرين جدران البيت بالأجراس. كأنما تحتمين بالأجراس من الموت العارض للسكون، حين لا يقوم أحد في الليل للتأكد من أسطوانة الأكسجين ولا ينتبه أحد لامتلاء الرئة فجأة بماء الغياب. 

ولأنك أصبحتِ تشاهدين الملائكة أكثر من المعتاد. والديكة في الحديقة باتت أنشط من ذي قبل. أصبحت أصابعك محشوة بالذعر وتنقر الجرس أحياناً بلا مبرر. والخادم أصبحت لا تأخذ طلبك للنجدة على محمل الجد.  

ولأن الأجراس بسبب مرضك صارت تنبت في البيت مثل ثمار الرعد. باتت الأجراس أيضاً لعبة في أيدي الأحفاد ولم يعد سهلاً تمييز الإنذارات الكاذبة من استغاثاتك الحقيقية حين يتلكأ قلبك أو تأخذك الكوما في منتصف الليل. 

لكننا الآن في غيبوبتك الطويلة، وبعد أن بردت أصابعك، وسكتت طويلاً ثمار الرعد في البيت، بتنا نشتاق إلى إنذاراتك الكاذبة ونتحدث كثيراً مع الأجراس عنك

الخميس، 28 مارس 2013

كونشيرتو العلبة






سقف  (المدينة دال)

في المقهى المسقوف يجلس رجل في قسم الرجال.
في ذات المقهى تنتبذ فتاة طاولة قصية في قسم العائلات.
جدار عازل بينهما وسقف مشترك.
هي ابنة المستحيل. يعلم أن صوتها ووجهها من الأشياء الموصدة. وسيلة الحديث الوحيدة بينهما كانت برنامج دردشة فورية نصية.

 سنوات وهو يكتفي بمعرفة اسمها الأول فقط. 
 يتفقان على الحضور كل أسبوع في المقهى المشطور.
 يكتب لها: نطلب ذات القهوة؟ يطلبان ذات القهوة السوداء.
 يقول لها: دعينا ننظر الآن للسقف. هناك تحديداً حيث يلتقي عمودان أصفران متصالبان في سقف المقهى. ترسل نظرتها للسقف. في ذات الوقت يرسل نظرته للسقف. ينفث دخان سيجارته عالياً ليلمس الدخان نظرتها العالقة بالسقف.
 سنوات تمر.
يتصالح مع كونه لن يعرف شكل صوتها ولا وجهها. لكنه يأتي كل أسبوع ليرسل أنفاسه للنظرة المعلقة بالسقف.



متحف البريد

بعد إخماد الحروب والجوع والنساء في البلد أُنشئت مؤسسة بريد بدائية.
 يتناقل الناس حكايات مخيفة عن فظاظة وشبق الجيل الأول من سعاة البريد.
 كان كثير من العمال المهاجرين حديثاً للبلد يشتكون من الوحدة والأشواق وضياع رسائل يترقبونها من الزوجات.
 وفي غرفته كل ليلة: كان أحد هؤلاء السعاة المنتعظين باستمرار يقوم بتحسس المظاريف السمينة التي تعمد عدم إيصالها... ثم بأصابعه المرتجفة يبحث عن صور النساء المخبأة في المظاريف، يختطفها، ليعلقها على جدار غرفته.

في متحفه الشخصي كان ساعي البريد يقبّل كل مساء امرأة غريبة مصلوبة على الجدار وينام.

  

حسن سنكر (المدينة ش)

هواء شباط يفترس النازحين على الحدود الشمالية.
وفي معسكر النازحين المسيّج، يتسلل كل ليلة جندي أسمر نحيل  إلى ركن مظلم من السياج المعدني.
 ثم من داخل المعسكر يتسلل شاب وضيء بملابس رثة.

 يشعل الجندي سيجارة وينفح الشاب مبلغاً من فتحة السياج المعدني.
 يستدير الشاب ويمنح جسده للجندي بما تسمح به فتحة السياج.
 يهتز السياج ويلتحم الجسدان.
 عقب سيجارة يهوي. 
ورقة مالية تتجعلك بحركات خاطفة متوالية وتتعرق. 
وآهة مكتومة وسرية تنتشر في الليل.



هاتف خلوفه (المدينة عين)

      وجه موظف الاستقبال الجامد جعل الرجل العجوز يلجأ للمرضى الآخرين لمساعدته في تعبئة نموذج فتح الملف.
    قال لي إن نظره ضعيف جداً وإنه لا يحسن الكتابة. تركت دوري وأخذته لطاولة قريبة في مستشفى العيون.
-          اسمك يا عم؟ لم يقل شيئاً لكنه أخرج بطاقة الهوية. إبراهيم خلوفة خلوفة. العمر 80 عاماً. رقم هاتفك يا عم؟ لا أحفظه. ولأنه لا يرى جيداً ولا يحسن استخدام الهاتف طلب مني أن أتصل من هاتفه على هاتفي لمعرفة رقم هاتفه المحمول! هاتفه كان قديماً جداً ومتسخاً جداً وزر الصفر فيه لا يعمل!

-          بعد جهد كبير ومحاولات إنعاش بالأصابع والمفاتيح وسن القلم تنفس الصفر في هاتفه فتمكنت أخيراً من إجراء المكالمة المستحيلة وسجلت رقم هاتفه في نموذج المستشفى.

-          يريدون هاتف شخص للطواريء يا عم؟ قال لي: ضع رقم ولدي إسماعيل! قلت: هل تحفظه؟هز رأسه وطلب مني أن ابحث عن إسماعيل في الأرقام المخزنة في جواله.
 كان هناك أكثر من أحد عشر اسماعيل في هاتفه. بدأت بسردهم عليه وهو يبتسم ابتسامة نفي بين كل إسماعيل وإسماعيل ويعتذر.
في منتصف السرد قاطعني وقال: يا بني ضع أي إسماعيل تجده في هاتفي فكلهم يعرفونني!      
  أنهيت تعبئة النموذج وأعدته لموظف الاستقبال.
-          لم تنقطع دعواته الدمثة وضحكاته واعتذاراته عن الصفر المعطوب في هاتفه وعن كثرة اسم إسماعيل في العائلة وعن بصره الحسير.
 ابتسمت له وأنا أفكر أن الحب في هذا البلد يشبه هاتف إبراهيم خلوفه ذي الصفر المعطوب والمحشو بأرقام لم يتم نقرها على الاطلاق

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

ثقب واحدٌ ووحيد


تؤرقني فكرة موت رجل أعمى. تؤرقني لأنه يجب أن يحصل الموتى على عيون سليمة ليمارسوا حياتهم بشكل حر بعد الموت.

لا يوجد ما يدل على أن الأعمى يستعيد بصره بعد الموت، وينبغي لهذا أن نذهب للموت بنظر جيد. 

حين أصبت بمياه زرقاء وفقدتُ إثرها عيني اليمنى كنت قلقاً من الموت قبل إجراء الجراحة التي قيل إنها لن تسعف سوى العين الأخرى. وحين توقف قلبي بشكل مفاجيء في غرفة العمليات كنت سعيداً أن الطبيب قام قبل موتي بإنقاذ العين اليسرى من ضغط الشلالات الزرقاء التي كانت تهدد بعمى تام.
ينبغي القول إنني كشخص ميت لا أستطيع إخفاء سعادتي بعيني اليسرى. العين التي لن تنظر لأحد بعد الآن! 

هؤلاء الذين يعيشون بعين واحدة يخسرون نصف الحياة ولا يربحون كل الموت. فعين واحدة تشبه حباً من طرف واحد. والعيش بعين واحدة يشبه عاشقاً واحداً ووحيداً يزور كل ليلة باباً لم يعد يدور فيه القفل.
العيش بعين واحدة يعني أن تستغني عن نصف مكتبة لأنه لم يعد لديك مكان ولا شباك يكفي لتشميس مكتبة كاملة. والحياة بعين واحدة تعني أن تكتب مترنحاً لأن أصابعك التي كانت حاسمة كوعلٍ باتت تصل إلى الحروف وهي تعرج. 
أن تستيقظ في الصباح للصلاة ثم لا ترى وجهك في المرآة بوضوح بعد الوضوء. تدعك عينيك مراراً وتنضح الماء على وجهك دون أن تعود إليك بعض كِسر وجهك المسروق. ثم تستسلم لفكرة أن عينك الغاربة أصبحت نافذة قديمة مطلية بغبش ثقيل ولاصق يخنق الضوء. لكنك تتنهد أمام المرآة وتمرر إهانتها لك بنكتة. تصلي وأنت تتخيل نفسك قرصان جزيرة الكنز ذي العين الغاربة فتختلط الصلاة بضحكة ودمعة زرقاء. 

العيش بعين واحدة يعني أن تقضي بقية عمرك في الاهتمام بعضو ميت في جسدك. كونه ميتاً لا يعفيك من مسؤولية غسله وتنظيفه كل يوم وجعله نقياً وضاحكاً عند مقابلة الناس وعند الجلوس للمصور الفوتوغرافي. إنه حب من طرف واحد كما قلت. على عينك الميتة ألا تلفت النظر إلى موتها وأن تستمر بإثارة بهجة الآخرين.

أتذكر أن أمي التي قضت أيامها الأخيرة في الاعتناء بخمسة وعشرين ديكاً انتبهت مرة إلى أن عين أحدهم ليست على ما يرام. لم تتردد بإخراج قطرة عينها التي وصفها لها الطبيب وأمرت الخادمة بالتقطير لمدة أسبوع في عين الديك المريض الذي شفي تماماً وانضم إلى مجموعة الخمسين عيناً التي كانت تصنع صباحات أمي!

فقط أفكر أنني لو كنت استطعت الاحتفاظ بامرأة ما لربما كانت انتبهت لمد المياه الزرقاء التي كانت تلتهم نور عيني بهدوء تام.


***************

في الفندق الياباني يضعون ملصقاً تحذيرياً لطيفاً: (نعتذر عن عدم تنظيف أي كأس يحوي بقية سوائل).
يعتذر اليابانيون للنزلاء خوفاً من إتلاف عدسات لاصقة غير مرئية قد يكون النزيل تركها في كأس ماء أو قدح قهوة.
ينبغي التمثل بالروح اليابانية المرهفة التي تقدس البصر. وعلى الأهل الذين يقومون مثلاً بغسل أحبتهم فوق منضدة الموتى ألا يزيلوا العدسات اللاصقة من عيون ذويهم. فكما قلت ينبغي الذهاب للموت بنظر جيد كما يذهب العاشق لرؤية فتاته للمرة الأولى.

 أيضاً على الأهل ألا يزيلوا الأقدام الصناعية من الأموات قبل وضعهم في منازلهم تحت الأرض.

ليس من العدل دفن شخص بقدم واحدة. ليس من العدل تفويت النزهات الجديدة تحت الأرض على من فقد ساقاً فوق الأرض.

ما يبهج حقاً هو أن الموت يعفيك من نصائح الأطباء. فبعد الموت لا يلزمك أن تسقي كليتك كل يوم بالمياه كي لا ينبت الحصى واللؤلؤ في خاصرتك. لا يلزمك أن تسقي عينيك طيلة حياتك بقطرات البيتا بلوكرز كي لا تصبح أكثر زرقة. الموت لا يشترط كل هذه المياه كي تصبح صالحاً للعيش. الموت يقبل بك كما أنت.

***************

مفاتيح الوحيد أكثر ما يقلق بعد الموت. المفاتيح التي يجب أن تظل معلقة على الباب من الداخل أثناء حياته كي يتذكر أخذها معه عند الخروج. المفاتيح التي وزع منها نسخاً احتياطية على الأصدقاء على الأم على الأخت على الحبيبة  المقيمة في قارة أخرى كي يلجأ إليهم عندما ينسى. كي لا ينام في الشارع. 

لا بد في المقابل من المفاتيح بعد الموت ولا بد من وسيلة لعدم النسيان. لا بد أن تربط المفاتيح برباط ضاغط وقوي على راحة الأموات قبل إنزالهم في منازلهم. لا بد من مفتاح البيت كي نفتح باب القبر.

ثمة أيضاً رغبة آمل ممن يقوم باستلام جثتي أن يحترمها. أريدهم أن يتركوا خاتم الذهب في إصبعي، وأن يُسمح لي بالاحتفاظ به بعد الموت. أنا مؤمن بوجود عصفور الذهب الذي يعرف أماكن الذهب تحت الأرض مثلما كان هدهد سليمان يبصر مكامن المياه من السماء.

أحتاج إلى عصفور يزورني ويدل عليّ بعد الموت.

***************

أفكر أنني ولدت جاهزاً للموت! فحين ولدتُ توهمت أمي أن الملائكة قد أجرت لي عملية ختان سريعة أعفت الأطباء من مهمة (تطهيري). وهكذا عشت بفكرة طهور ملائكي مبالغ فيها جعلتني أعيش بقلفة أطول مما يجب. الملائكة في الواقع لم تقم بإزالة الكثير من الجلد. وهذا يعني أنها لن تضطر لفعل شيئ بعد موتي إزاء تلك القلفة.

يقال إنها ستمطر يوم القيامة على عظام الأموات، وحينها ينبت الموتى كثمار مؤجلة من قبورهم ويخرجون عراة بقلفات كاملة. هذا يستلزم بالضرورة أن الملائكة ستجري ملايين الملايين من عمليات إعادة القلفة للذين قام أهلهم بختانهم. ولهذا أعتقد أنني جاهز للقيامة منذ ولدت.

***************

في كل مرة أجلس على كرسي الحلاق أكون متعباً وأغمض عينيّ كطفل أثناء الحلاقة. في كل مرة ينهي الحلاق تهذيب ذقني أو تزيين شعري أو صبغه أكون في وضعية النعاس الآمن والأجفان المغلقة. قال لي مرةً : هل تتعمد المجيء هنا كي تنام؟

 أتخيل أنني ربما متّ على الكرسي جلوساً مثل نبيّ حكيم دون أن يشعر بي الحلاق.
أتخيل أن خصلات شعر الزبون الميت تتهاوى على حجره، وأن الحلاق يستمر دون كلل في تزيين وجه رجل متوفى دون أن يلحظ شيئاً! أليس جميلاً أن نذهب للموت بزينة كاملة؟

***************

  تنبيه: ثمة من قال إن على الشعراء أن يموتوا في السابعة والثلاثين. 


***************

ثمة أشياء لا علاقة لها بمنضدة الموت التي أكتب فوقها لكنني أرويها لأنني لا أضمن أنني سأتمكن من روايتها في مكان آخر.

أشياء مثل التّكّات الخفيضة  لساعة الجار المفقود التي أسمعها كل ليلة.
أشياء مثل الجارة الأخرى التي تضع قطعة أثاث محطمة أمام بيتي كل صباح. الجارة الوحيدة التي تصرّ على بثّ رعشتها الغامضة بمفردات فرنسية! والواقع أنني لا أفهم لماذا يطلق الفرنسيون على الرعشة الجنسية مصطلح (الموت الأصغر) أو La petite mort، بينما يحتفظ العرب بهذا المصطلح لمجرد النوم! 

ثمة أشياء تافهة ليس هذا محلها لكنني لا أضمن أن هناك فرصة أخرى للحديث عنها: الجيم الحلوة التي تتلكأ في فم ماجدة الرومي وهي تغني (يوم ال حبك جننني) في أغنية (اعتزلت الغرام) هي أكثر ما يلفت انتباهي في مسيرتها الفنية. أسمّيها جيم الغرام. وأقلد تلك الجيم في الممرات حين أغني لنفسي فأبتسم. 

أفكر أيضاً بالسيدة الجميلة الطويلة ذات الشعر الأسود التي ترقص بطريقة تثير التعاطف. أعني رفيقة جورجيت صايغ في مشهد بالأبيض والأسود في أغنية (نطرّني ع الشبّاك)! المرأة الحلوة التي كان يمكنها بقليل من الجهد أن تتقن الرقص!

وأفكر بالسبب الذي يجعل خيال الأطباء فقيراً لدرجة أنهم لا يجرون العمليات الجراحية فوق سرير مزدوج مفضّلين الفكرة الراسخة بجعل سرير المرضى المنومين مفرداً.

سيكون شيئاً لطيفاً أن يحلم المنوّم أثناء خياطة عينه بحضن شخص يحبه!  

***************

لو أنهم أيضاً يستدعون بيجان مرتضوي ليشارك الجراحين مهمتهم بكمنجته البيضاء التي ترتاح على بدلته البيضاء وهو يعزف بإخلاص موسيقاه المالحة (شيراز)؟


***************

طلبت مرةً من الموت أن يأتي في الليل:

( لو يجئ الموت ضحىً

حيث الساكنون تركوا شاياً بارداً
في الفناجين
والمقابض بردت من غياب السابعة

لو يجئ ضحىً
على رؤوس أصابعه
خاطفاً قبلةً على سريرٍ بارد .........

سيبدو الأمر
مثل تقبيل جثة
في الفورمالين .

ليأخذني الموت إذاً
في الليل

لحظة أحلم بك )

وأقترح لهذا أن أن يضعوا على الأسّرة مملحة بثقب واحد وأن يخفضوا الأنوار في غرف العمليات حين يجرون عملية في النهار. 



 -------------------------
أتفق مع الخزّاف الذي جعل هزّازة الملح بثقب واحد، وهزازة الفلفل بثلاثة ثقوب.
ففي الحب والموت ليس سوى قلب واحد ووحيد يتعذب.