الأحد، 28 يونيو 2015

لا وقت يناسب الأهل (شذرات من صلوات رامبو)






لسنا أسوياء بما يكفي لتعليق صورة الجد. 

لقد عمّدتنا القسوة . طاردنا الأسلاف كي نلبس نظارة الحنان. أرهقنا امتداح القمح وكسرتنا هشاشة المواليد. قضينا الأيام والأحلام ونحن ندخن أرواحنا  سراً في دورات المياه. 

الوقت متأخر جداً لنحبّ الرحيق.

 الوقت متأخر جداً  لنسقي الجذور المحروسة بالسيف وخوف السيد العظيم.
 الوقت متأخرٌ ولن يأتي وقت يناسب العائلة.
لا نعرف أباً، نحن الذين ظللنا طويلاً نكتب، وظل الناس يهربون من ظلالنا الشائخة. ولدنا بسيقان طويلة في (غابات قزمة).
لم نرد إيذاء أحد. لكننا كل مرة نفسد كل شيء.
 لم نكن نحسن إلا المشي. ومن كثرة المشي صارت لنا أكبادٌ قاسيةٌ وحظوظٌ ضامرة صالحةٌ للسفر. 

الوقت متأخر جداً لنحبّ. 

الشجرة أبداً  لن تفهم أن المشي هو الجذر ، والعائلة لن تفهم أن المشي هو الأهل. 

***********
مشيتُ في مدنٍ مضاءة بعيون الأمهات،  وهربت إلى السجن في سفن (سكرى) مضاءة بالدموع.
أقمتُ وحيداً في فندق الكون. طفتُ بقهوة (هرر)  في موانيء البحر الأحمر والأبيض. نقلتُ رحيق الآلهة من جاوا ومخا. حمّصت حبوب البنّ فوق نار عَدَن. وتزنرتُ بالعملات الغارقة وعيون الغربان الهالكة في صحراء الصومال.
أوصلتُ القهوة لبيوت القهوة في أوروبا. لكن لم تفتني القهوة بل سحرتني الخطوات. لم يصبغ عيني النبيذ بل بسمة النادل.
مشيتُ طويلاً جداً حتى بردتْ وسط يدي كل فناجين القهوة. مشيتُ طويلاً حتى أنك لا تجد امرأةً كاملةً في أوراقي. 
مشيت ومن كثرة المشي  اصطدمت ركبتي بالإله.

وحين حملتني السفينة الأخيرة
وعدتُ بساقٍ واحدة للأهل. 

قالت الأم :(سعداءٌ هم الذين لا أولاد لهم). 
قالت الأخت: سأسهر عليه عسى أن يؤمن. 
قالت الجارة: فليدرك الرب من فاتته الصلوات. 
والطبيب قال بتواضع الأطباء حين يتورطون: الساعات بيد الله . 
أما الأصدقاء الصالحون فكانوا مشغولين ببناء منازلهم، ومصالحة زوجاتهم،
 لكن كلابهم نبحت، وغطاني نباحها جيداً قبل الموت. 

***********
 القهوة هربٌ أسودٌ من كذبة الأهل.
الشمال لا يُنبت البنّ. القهوة سرّة الجنوب والحزن.
 أما التبغ فهو غيمة ضائعة فوق جبال الآباء الذين أحبونا أقل من سمعتهم. 
الأوغاد، أولئك الذين لم يجربوا القطارات والسفن للهرب من الحب يروقهم وصف شاعرٍ ملعونٍ ب(البذرة الهرمة). 

 هربتُ من الجحيم والشعر بحثاً عن البذور.
تاجر بذور فاسدة أنا.
فشلتْ محاولاتي في محبة الأشجار فلم أصبح شجرةً ولم ألفت نظر الماعز الجبلي. لكن الرعاة في عَدَن يحكون أن الله كريم. الله كريم يا أختي وشعر رأسي رمادٌ في الثلاثين.
 لقد هربتُ من رأس الحكمة.  
أنا بخور الله الذي احترق في جزرٍ بدائية بعيداً عن البيت. لكن : هل تفهم الملائكة يا إيزابيلا* معنى البيت؟
هل يصيب عظامها الغرغرينا أو يدخلها البرد، وهل تجيد الملائكة تحميص القهوة يا إيزابيلا كما يفعل الأحباش؟ ما المقابل الذي ينبغي دفعه من أجل ريّ عينين بنفسجيتين؟ وهل الفراغ عملٌ صالح؟ 
سأنجو إذا نجوت يوماً من عيون الأموات.
لكن الشاعر يسافر العالم كله ، ثم يعود ليموت في مستشفى الولادة.

ولدتُ رماداً بساق واحدة فما جدوى حرقي وأنا رماد، وما جدوى العيش بعد الممات في مقابر الأهل؟
------------------------

* إيزابيلا شقيقة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو



السبت، 16 مايو 2015

أكثر من محاولة لتحميض البيت





الحمامة


هناك حمامة وهناك حَمام.

هكذا تبدو اللقطة من شرفة هنري ماتيس. هكذا تبدو الريشة في مرسمه الذي تتنزه فيه الحَمَامات.

أنت مخطيءٌ إذا كنتَ تظن أن حمامةً حقيقيةً تطمئن لأيدي المصورين.

 أعط الحمامة يدك لا الإطارات. أعطها بَرْدك أو أعطها قلقك،  بيتكَ أو لا بيتك لا يهم.

أعطها شيئاً يمكن لمسه لكن لا تعطها هي للعابرين. 


الحمامة (الحمامة) تفهم أن زر اللقطة مثل الزناد. أن اللقطة شعلةٌ أولمبٍ تجعلها متداولة ومتاحة لهواة التصوير والقناصة والأصدقاء وكل العالقين بالشبكات الاجتماعية.


الحمامة تكسدُ حين يتم تداولها. الحمامة (الحمامة) لا تَعْلقُ، ولا تصلُ، ولا تستسلم لفكرة التقاط الصور مثل حمائم الساحات. فكما قلتُ: هناك حمامةٌ وهناك حمام.

 - الحمائم الجماعية فكرة خاطئة عن الأمن.

 - معالجة الخوف وظيفة الله وليست وظيفة الطير. 

- ثم إنه لم يعد منذ نوحٍ عشبٌ ولا صلاةٌ في أعين الحمائم كي تمنحه للسائحين.

تخلت الحمائم عن فكرة (الحمامة) في اللحظة التي قبلتْ فيها مبدأ الصورة مقابل البذور. الحمائم ك( سربٍ ) فكرةٌ نافقةٌ عن الحرية، تماماً مثل القهوة سريعة التحضير.

ثم ما الذي يجعل الناس موقنين أن حمائم الساحات ليست أسلوباً من البلديات لترويج السياحة. ما الذي يجعلنا لا نشك أن الحمام الأليف طائراتٌ بلا طيارٍ أو خدعةٌ دينيةٌ جديدةٌ من الحكومات.  

الحمامة (الحمامة) تسقي نفسها بعينها، وتزرع قمحها بالوحدة والنضوب.   


وعلى سبيل الفزع أو على سبيل الإطمئنان، أراقب كل صباحٍ حمامةً تطير وحيدة وترفض التصوير. حمامةً لا تحطّ على الإفريز، إلا حين تطمئن لمغادرتي للبيت، وكلما صوّرتها لا تظهر في الصور.

وحين لا أرى الحمامة أقول: الحمامة رسالة ناجين من شيء فظيع .. الرسالة التي حتى حين تُلتقطُ لا يمكن تظهيرها في الصور.

أما هنري ماتيس الذي تم تصويره قابضاً على حمامةٍ بيده ليرسمها،  فلم يمكن تأكيد نجاته حتى الآن.


@@@@@@@@@@

الاعتناء بحصان سباقٍ أعمى


يقول الطبيب والأصدقاء خلّصه بالقتل.
يقول المراهنون لا تراهن عليه.
يقول سائس الخيل: يؤذيه أقرانه إذا اكتشفوا عماه.
يقول الحوذيّ : يمكن إبقاؤه ليجرّ عربة سوّاح.
يقول موقع الاعتناء بالخيول العمياء: لا تهذّب هُدبَ حصانٍ أعمى، ولا شَعرَ شفاهه، فبهما يبصر العشب في الظلمات.


لكن كل ما يحتاجه حصانٌ أعمى ليسبق الدمع والخيل
كل ما يحتاجه حصانٌ أعمى للفوز
هو أن تتحدث معه كصديقٍ قديم. 


@@@@@@@@@@


عين الغراب



كل صباح
حين تكون الطفلة في حضانتها
ترسم أحراشاً
خاليةً من الطيور 
وتهديها للآنسة التي تختال في الأربعين: 
يحط غرابٌ على نافذة المنزل
يتأمل قصص الطفلة على الرف
 ودُماها الفاتنة على السرير  


الغراب ذاته كل صباح
حين يخلو البيت: 
يقف بأناقة لصٍ على الإفريز
يمسح بعيني صائغٍ حنون
كل  أذىً في عيون الدُمى
يلمّ الجوى من عيون الزجاج 
يدقّ على الزجاج قبلةً
 ويطير



@@@@@@@@@@


جيتارٌ مُدَخّنْ 



الجيتار والعازف ذهبا إلى الحرب
سوّياً  نزلا في شاطيء النورماندي 
وعزفا للجنود المبللين في الحرب

 سوياً  عبرا الخطوط الأمامية  لليل
وطويلاً عزفا  لتضليل رائحة الموت

كانا يغنيان للجنود الذين يحلمون بفتياتهم في الليل
ويرمّلون مدناً كاملةً في الفجر. 

ثم مات الجندي في القصف
 وأرسلوا جثته والجيتار للأهل 

وبدلاً من دفنهما معاً
وضعوا الجندي في مقبرة العائلة
والجيتار علقوه كالذبيحة في غرفة الجندي!

وهكذا
ظلّ الجيتار ثمرة جوزٍ
  محشوةً بقلب العازف الهش
وظلّ يفوح من أوتاره الخوف
ومن خشبه البارود
وسجائر الأصدقاء


@@@@@@@@@@



عصفورٌ وملقط غسيل




بعد أسابيع من مجاورته لعصفورٍ
على سلك الغسيل
لم ينبت لملقط الملابس ريشٌ 
ولم يصبح له صوتٌ جميل

العصفور قصّ عليه كل الحكايات
وأخبره عن البلاد

العصفور غنى له الأغنيات
وأخبره عن الكنز

لم ينبت لملقط الملابس ريشٌ 
ولم يصبح له صوتٌ جميل

لكنه صار دافئاً وخفيفاً
والملابس التي تربط به
لها رائحة الشمال!  



                                                              @@@@@@@@@@ 


طيور




 كلما مشيتُ في حديقةٍ
تنتابني العصافير
كما لو أنني
 خبزٌ متجولٌ من بقايا البيوت
أو فزاعةً تمشي
 وأثرتُ الفضول


كما لو أنني
طيرٌ فقد ذاكرته في عاصفة
وصار شخصاً مشرّداً
في حديقة عامة

والطيور كلما استيقظَ

تحاول انتشاله

أو تعليمه الطيران





الاثنين، 2 مارس 2015

منزل الريح








أول مرةٍ هبت الريح فيها لم يكن ثمة نارٌ ولا عشاقٌ يذهبون مع الريح.
 لم يكن ثمة سفنٌ ولا تجارٌ ولا أمهاتٌ على شاطيء البحر.
كانت الريح تتعلم الذهاب بلا أحدٍ إلى لا شيء.
ولم يكن سهلاً أن يكون للريح معنىً أو حاجبان فاتنان. 


طويلاً مشتْ وحدها الريح.

مشتْ قبل ظهور الغصن. قبل حياكة القميص. مشتْ قبل خصلة حواء. قبل ريش الحمام. 
ومن شدة المشي بلا أحدٍ صارت مرهفةً كالرمح، وقويةً كدموع الآباء.
 مع المشي  صارت الريح جميلةً كالبنات يوم الخميس.


لم يكن مهماً من أين تأتي الريح.
لم تعرف الريح يوماً أباً لها.
تعرّفت على الجهات بعد الهبوب.
وأحبتْ كالغربان التقاط الأشياء اللامعة.
 واحتفظت بالغنائم في الغيم. 
 

لا عش للريح.
 فالمنزل الضخم الذي بنته الريح طوال هذا العمر كان (الذهاب).
وكل الذين قرروا الذهاب مع الريح لم تغوهم الريح بل منزل الريح.
 الأطفال والعشاق الذين اختفوا فجأةً لم تعجبهم منازل الآباء وأحبوا منزل (الريح). والمظلات انكسرتْ في المهبّ لأنها ملّتْ من الأمل المتعرق في أيادي الناس. 


مرةً واحدة أحبت الريح فصارت رياحاً، وأنجبتْ حصانين لم يتوقفا عن الحمحمة والحرب.

 وحين انتهى الحب لم تنته الحرب. لكن عادت الريح إلى بيتها الرحب ، واستمرت في طلاء (الذهاب)، واستمر الناجون من مطويات الأمل، في اللحاق بالريح. 

السبت، 14 فبراير 2015

أقلَعنَ عن فيروز








نسوةٌ في مقهى الليل يقترحنَ أصواتاً لإخفاء مرور القطارات.

حين أشعل النادل فيروز اعترضن. قلن: لا نستطيع فيروز في الليل!

 كان محزناً أن نساءً في المدينة أقلعن عن فيروز. وأن الذين يفرّون من صوت فيروز في الليل في ازدياد. تماماً مثل معدلات الطلاق، ونسبة الطبيبات المدخنات، وظاهرة مدربات الحياة. 


كان محزناً أن فيروز باتت تشرب قهوتها وحيدةً في مقهى الليل.

أنا الذي دخلتُ معها السجنَ أعرف أن صوتَ فيروز خبزٌ وخمر وأحياناً فاكهةٌ يوسفيةٌ وسكاكين.

 خَلَقتْ لنا فيروز أوزونَ الصباحات.

كانت ترسلنا كأطفالها للمدرسة والوظيفة والحقل، ثم تغلق باب بيوتنا وتنام.

كانت تدس لنا حبق صوتها في الساندوتشات كي تستقيم ظهورنا في الطوابير والطرق المسدودة كل صباح.

لكن حين يجيء المساء نخاف من فيروز.

 نخاف من صورة الأم التي فشلت في الحب وعاشت تحذرنا من الحب ومن ترك الصلاة.

نخاف في الليل من فيروز. من عتب الإله الذي نأكل خبزه ونعصيه.

ومثلما كان لوركا يخاف أن يموت على مرأى من القمر الذي أحب. صرنا نخاف فيروز في الليل.

 فيروز في الصبح خبز الطيور، لكنها في الليل عظام الأحلام.

 ونحن نعلم أن فيروز في الليل رماد أرواحنا التي أوصينا بحرقها لنتفرغ للفراغ والكذب وما بعد الحياة. وأن أحداً مهما بلغ من القسوة لا يستيقظ من الموت ليصغي إلى مواويل رماده. نعلم أن فيروز في الليل قديسة اعترافاتٍ  وأننا نتحاشى تخاريم نافذتها العذراء وزجاجها المعشّق بملايين الانكسارات، كي لا تبتل حنطة أصواتنا في مقهى الليل.    

نعم. صادفتُ نساءً  تركنَ فيروز في الليل.

 وكم وددت أن أفعلَ شيئاً من أجلنا وأجلهنّ. وكم وددتُ أن أشرح لفيروز أن الأمر ليس شخصياً. لكنه يتعلق بهندسة الله لوردةٍ تصير قنفذاً أحمر في الليل. وأننا والبنات اللواتي فقدن أزواجهن ننكسر، كسيجارةٍ،  حين يشعل أحدهم فيروز في الليل. 

الثلاثاء، 27 يناير 2015

إجراءات الحياة





الذين سيبكون عليك بعد الموت يقلّون.
 لكن عليك أن تستمر في خطة المعاداة 
كي لا يبكيك أحد على الإطلاق.
عليك أن تبدو كريهاً للقلة المخلصة
 كي لا يكسرهم موتك الجميل. 
الذين أظهروا البغضاء هم الكنز
أما الذين لا زالوا يسألون
فيعطلون عربتك القديمة
في موكب الإختفاء . 

******
لا تمدد يداً للغريق.
 إذا رأيت شخصاً يغرق
 فدعه بسلامٍ يغرق.

 الغرقى يعيشون.
 الذين لا يغرقون يحتاجون لانتشال. 

*****
لا تتحدث وأنت واقفٌ مع الحياة.
 أنتَ سمادٌ جيدٌ  حين لا تكون على عجل. 

******
لا تثق بالعيون التي تستيقظ من النوم.
 لا تثق بالعيون التي تقرأ الخراب والشعر.
لا تثق بالعيون التي تذهب للوظيفة وتفكر في آخر الشهر.
لا تثق بالعيون التي تفكر بالأهل
لا تثق بالعيون التي تنام في  الطائرة والقطارات.  
 تلك عيونٌ خربة. 

الحياة الحقيقية 
في عيون الدمى. 

*******
الشعراء يجلسون في البيت
كالأمهات الخجلات يجب أن يجلس الشعراء في البيت
يلقون قصائدهم على نبتة الخيزران
على قدح القهوة
على دوائر التبغ
على الجوارب المنشورة والأواني المسنّدة بعد الغسيل
يلقونها على ظلالهم الخائفة ليلة رأس السنة 

الشعراء لا يلقون قصائدهم على طاولة لامعةٍ أمام الجموع 

الشعراء يلمعون كالأواني المسنّدة بعد الغسيل

 حين يجلسون في البيت. 

********
الحياة سنجابٌ بالغ اللطف
 ويمكن إذا ظللتَ هادئاً أن يتسلق قدميك. 
لكن السناجب في نهاية الأمر
تفضل الأشجار على الناس. 

******
 أن تضيعَ 
كي يعثر الضائعون عليك  

******
تشبه الحكاية امرأةً
 تكتبُ كتاباً عن الضياع
وكلما أغمضتْ
هوت في حِجرها الفراشات. 

********
المبصرون يفشلون
 لأنهم يضربون مواعيد عمياء مع  مبصرين. 
العميان ينجحون
 لأنهم ينجون من مآزق النظر.  

*******
لا تُضع الوقت في المطار
لشم عطر امرأة، 
وأنت تستطيع اللحاق بطائرة
 ستسقط في المحيط.  

*******
ساعة اليد، كالبطاطا، تزيد الوزن. 

*******
(ليس مسموحاً للمسافرين اصطحاب نظاراتهم في الزلاقة عندما تهوي الطائرة في البحر). لنكن عمليين: ماذا ستفعل زوجة الصياد بنظارتك الطبية حين تعثر عليها في بطن سمكة؟ 

*******
 كل ليلة يواصل تمرير خيط الايام بين أسنانه قبل النوم. يبصق دماً فاسداً في المغسلة. قبل أن يشعل سيجارة بأصابع مرتجفة، ويتابع في هاتفه عاصفةً ثلجية، عبر كاميرا شارعٍ  خالٍ من المارة، في نيويورك.  

********
أحلامه مكتظة بحقائب لا يحتاجها.
حقائب كثيرة وبكل الأحجام تستعمل الوقت المخصص لأحلامه، وتتركه يحلم مذعوراً بترتيب الحقائب نفسها كل مساء. 

*******
أنت تعلم أن كل هذا الذي يحدث لعبة. 
تذكّر فقط أن ركل القبور ليس من أخلاق اللعبة. 

الجمعة، 14 نوفمبر 2014

على الغائب ألا يعود





على الغائب ألا يعود
على الغائب أن يتقن دوره:
عليه دوماً ألا يعود. 

على الغائبين كلهم
 أن يحبوا الغياب
 
و لهم أن يَصِفوا على سبيل تصفية الصدر من بلغم الورد:
هلالَ آخر الشهر
والحصانَ الصقيل الذي بلا أحدٍ يعود من الحرب 

لهم أن يَرْثوا أسماك الزينة في إجازة الصيف
والقططَ في إعلانات تبني القطط

لهم أن يكتبوا في الصحف
عن الجرائد التي لا يمسها بشرٌ
وتنتظر دون جدوى في مداخل البنايات

لهم أن يكتبوا عن حسرة القصائد التي لم يستطيعوا تخليصها من نفسها
في أقراص ال Floppy disks

على الغائبين أن يحبوا الغياب
أما ما بعدهُ
 فعليهم أن يدعوه ليهتم بنفسه

فالغائبون لا يعودون (إلا فراشاتٍ أو زجاجات بحر فارغة)

لا يعودون إلا فراشاتٍ في سبتمبر
بعد أن نكون انتقلنا إلى القطب
وصرنا نستخدم نيراناً
لا تفهمها الفراشات

ووقت يعودون فراشاتٍ بأجنحة أربعة
نكون قد أصبحنا بلا أجنحة
ولا نتذكر شيئاً عن بلاد الأسلاف
أو رحيق العائلة

وقت تعود لنا الفراشات
يصبح من غير الممكن 
مقاسمتها القهوة والكتاب
أو مساعدتنا في اطلاق النار على الكمنجات 
والبكاء معاً على وترٍ نافقٍ 
والتلذذ بنهب سيجارٍ سيء الصنع 
 
فالفراشاتُ تتقنُ ترف الضوء
ولا تحسن السيجار

ووقت تعود الفراشات
لا تعود هي الفراشات

فهي تعود لأن الشتاء ثقيل
تعود لأنها لم ترث من أبويها سوى معرفة الطريق للبيت

لا تعود الفراشات لأنها تفقد الحب
بل لأنها تحسن البيت

ويستحيل بسبب ذلك أن تشاركنا أريكةً
أو مقعد طائرة في المحيط
أو سجادةً في العِشاء الأخير



الغائبون يحبهم الله 
ولا يكسرهم أحدٌ
ما داموا يفهمون جيداً أن مهمتهم هي ألا يخسروا الغياب!

الغائبون ليسوا المسيح
ولا يجب أن يتوهم غائبٌ أنه مسيح الذين أحبوه

فالغائب حين يعود للشرفة الأولى 
يكون الله تماماً قد غيّر المنظر 

والناس يملكون صمتاً قوياً  
يمكنه كسر الذين فجأة يعودون 

الناس ليس لديهم وقتٌ فائضٌ للذين يعودون
   
لأجل ذاك
لأجل ذاك الفراغ الحنون
لأجل القوارب الطيبة المربوطة في الربع الخالي من الليل

على الغائب ألا يفسد الأمر

على الغائبِ
ألا يعود 

الاثنين، 22 سبتمبر 2014

الحل







 ليست القرية الحَل
 ولا في المدن الحل
 الحل في التيه

الحل أن تفوت نصف المواعيد
 كي لا يتلوث نصف الهواء النظيف

الحل في الطلقة لا الطلقات

الحل أن يمّحي المقبض
 وتسقط أسنان المفاتيح 

الحل في رقبة الضبع التي تعجز عن الالتفات 

الحل أن لا تُفتح الرسائل ولا المعلبات

الحل أن تكون الوفاة طبيعية،
 كي لا نقلق أقسام الطواريء
 ونأخذ الأطباء من زوجاتهم
 نصف الجميلات
 في منتصف الليل

 الحل في عدم النوم
 حتى لا ننجب المزيد من الأولاد الذين سيبحثون أيضاً عن حل

الحل
في حرق كل براميل النفط حتى آخر مصباحٍ في الشارع،
وفي غرف النوم
 كي يفلس الأمراء
 ومفسرو الأحلام
 وكل المستفيدين من العتمة والنوم


الحل 
أن تُخفى كل أرقام المخارج
واللوحات الإرشادية
 وكاميرات المراقبة
 وأكتاف الطريق

الحل ألا يسمح إلا بالسير إلى الأمام


الحل أن تتركنا الملائكة في حالنا
 والشياطين 



الحل في الورقة البيضاء لا الحبر
الحل في الجناح لا السماء
الحل في المشي لا الحذاء
الحل في الرقصة لا المرآة
الحل في الأمهات يخبزن لا في الخبز تخبزه الأمهات
الحل في تحميص القهوة لا في  القهوة المحمصة
الحل في ابتسامة النادل لا الأقداح
الحل في إشعال السيجارة لا السيجارة
الحل في النسمة لا العطر
الحل في الضرع لا زجاجة الحليب
الحل في الشرفة لا الفتاة على الشرفة
الحل في القبو لا النبيذ
الحل في السجدة لا المعبد
الحل في القوقعة لا البحر
الحل في البئر لا القصر
الحل في الذين لن يدخلوا الباب ولن نعرف أسماءهم على الإطلاق
الحل في الصهيل لا في خط النهاية
الحل في الرعي لا في العشب
 في ليونة الصحراء لا النهد



الحل في أن تكشط الرقم في راحة يدك
وتلد نفسك
في فلاة.   

السبت، 6 سبتمبر 2014

إلى طبيب عيون









تعلمُ أنك لن تستمرَّ في إصلاح العيون. 
تدرك أن العيونَ في السماء لا تحتاج إلى أشخاصٍ بهذا التدريب.
 ثم تستمرُّ بلا شغفٍ تأخذه معكَ هناك.

العيون متقنةٌ والأطباء لا يجدون عملاً هناك.
 تَعرفُ أن لا عينَ طفلةٍ كسلى هناك.
 لا ماءَ أزرقَ، لا سكريّ يطلي شبكيةَ الأمهاتِ ، ولا عصبَ بصرٍ معطوبٍ سيحتاج إليك. 
ثم لا تُفكرُّ بيدكَ هناك؟! 

سيستمر الشاعرُ والبستانيُّ والصائغ والحرفي في صنع أشيائهم هناك في أوقات فراغهم. 
فماذا ستصنع بيدك هناك؟
ماذا ستضيف إلى الفراديس، بيدك الخالية من الهوايات.
 أليس محزناً أنك لم تتقن شيئاً آخر في حياتك غير إسعاد العيون؟ العيون التي لن تكون عالةً على أحدٍ هناك.

أما زلتَ على عماكَ في عيادة العيون،
 تقتلُ نفسكَ دون أن تفكر بها هناك؟
 وتظنُ أن الجنةَ أريكةٌ وسرير؟
 ثم ماذا؟ 
ماذا ستصنعُ بالأوقات الفائضة ؟
 ماذا ستقول ليدكَ التي لم تتعود على البطالة؟
ماذا عن مئات العيون التي أحييتَ، والروايات الطويلة، والفساتين الجهيرة، واللوحات المائية، ومخططات القصور التي ساعدتَ أصحابها على إكمالها؟

 هل في الجنة انتهت مهمتك القصيرة،  وأصبحتَ عاطلاً عن نهر الجمال، عاجزاً عن تصويب عيون الجميلات ؟  

الجنة ليست لأطباء العيون ذوي اللحى المدببة.  ألم يخبروك؟

 لو  بدلاً من كرسي اعتراف العيون، مجلات العيون ، وغرف عمليات اليوم الواحد والنصائح المكررة لمرضاك، وأبوتك المملة لأطباء التدريب،
 لو خنتَ هؤلاء مرةً وابتعت مضرب تنسٍ
 أو كمنجةً
 أو اشتريت كتاباً في البستنة 
أو سافرت سراً إلى القوقاز لتتعلم الاعتناء بالصقور،
 لربما وجدتْ يدكَ شيئاً تَسعدُ به في الفراديس. 

الجمعة، 29 أغسطس 2014

أزرار البطء



زر المعطف الاحتياطي



في معاطف العالم زرٌ،
 لأعوامٍ، ينتظر يداً ناحلة تفقأ عينيه.
 ليرى. 

زرٌ يقطع شوارع نيويورك، يهتز في قطارات أنفاق لندن، ويتشمم يد المضيفة التي تعلقه في خزانة السماء.
 لكنه يقضي حياته بلا طائل، منتظراً فرصة أو مقبض بابٍ أو خيانة ما.

وأنتِ يا حائكة الكلام القليل، تعلمين جيداً أن صانعي المعاطف باتوا لا يحكمون خياطة الأزرار.
 عمداً يقومون بذلك. وعمداً يدسون اعتذاراً سريعاً في الجيوب على هيئة زر احتياطي.

وأنت يا حائكة الحظ، تعلمين أن الأزرار في صدر القميص تقاوم السقوط طويلاً رغم مكيدة الحائك.

تدرين وأنت الحائكة،  أن الزر الإحتياطي، ولسبب غامض،
 قد لا يجد الفرصة أبداً ، كي يترك جيب المعطف الداخلي. 


@@@@@@








الكلمة الحمراء




وأنتِ تُجلسين أذني على زر انتظارٍ في هاتفك المحمول: مرت كروم مسيجةٌ، وحبقٌ مجففٌ سال. 
ثعالبٌ فاتنة تجمدتْ وهي تركض في بطن يدك. 

مرتني المكالمة الوداعية بين قاتلٍ مأجورٍ وابنته التي تدرس الطب.

 بكيتُ على ملايين الرسائل التي تاهت ولم تصل لأحدٍ في اليوم الأخير لخدمة الماسنجر. 

اخترقني صوت مغني الشوارع في فيلمٍ صامتٍ وقصير.

عضّني الثلج الذي يهمي على النوافذ الزجاجية  بدلاً من كؤوس العشاق. 

أخرجت بيدي حصوات المرارة من مومياء فرعونٍ صغير.

شاهدتُ السيل الذي يبتلع عائلةً سعيدةً ويمضي دون أن يشعر بالذنب.

حيّتني الممرضة الكاثوليكية التي تدير سورة البقرة كل ليلةٍ عند رؤوس  مرضاها المجمّدين. 

وقبّلتُ الصبيَ الذي كلّ صباحٍ يسقي وردةً نافقةً على سكة الحديد........





 والكلمة الحمراء..
الكلمة الصغيرة الحمراء..
 لا تزال عجينةً تائهةً تتخلقُ في فمك.