الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

حاجبان




كلَّ صباحٍ، وقبل أن نستيقظ،

يستيقظ الحاجبان.

ثم في المساء،

يسبقان الجسد إلى النوم،

يمشطان مسالك الحدس،

 ويربطان الحصان الضرير

بسياج الصمت،

ويتخلصان قبلنا

من الضوء والليل.


 

لأن هناك طفلاً يتعذب

 في الحاجبين،

 وجرحاً أبيض لا يندمل

في المسافة بينهما.

 


 حاجبان تعودا على استباق الأشياء،

وانوجدا قبل انوجاد الكلام،

قمرين من ظلام

يحرسان سماء الوجه،

 وينسحبان حين يغمر الكلامُ كلَّ شيء.



 حاجبان هما الفاصلُ

 في كتاب القلق،

والتعويذةُ التي تمنع

 صفحةَ الوجه من الانهيار.

هما الشرطُ الصامتُ للنظر،

والشقُّ الذي يجعل الضوء

 قابلاً للنفاذ.



حاجبان من وجلٍ عميق،

 ليسا قوساً للزينة، بل للبقاء،

وموجاتهما لم تُخلَق للكلام،

 بل للبطء.



هما الحيوان الغامض،

الذي يشعر بالهزة مبكراً

قبل البصر والسمع،

والملاكان الأسودان

 اللذان يمنعان العيون

من الهيام على وجهها

في الأرض.



 أحاول أن ألمسهما

كما يلمس الشاعرُ

حرفاً متردداً،

أو كما يلمس الليلُ

حافةَ قمرٍ ناقص.

لكن الحاجبين ينفران،

فهما ليسا للمس،

بل للتأويل.



يظلان هناك،

تحت الناصية،

 مثل حاجزين من حُلُم،

وجسرين من غضب،

يحملان ما لا يقوله الجسد،

 ويعلّقان التعب

 على مقربةٍ من العينين،

كي يبقى البكاء

 فكرةً لا دمعة.



وحين ينخفضان،

كجناحين مُرهقين،

أعرف أن المعنى

قد بدأ يخبو،

 وأن الوجود،

كعادته،

قد قال كلَّ شيء 

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

الكتف

 


يكبر جداً هذا الجسد، وتتداعى منه أصوات الحرب. الرأس كلبٌ ينبح طوال الليل. القلب يعدو، مثل حصانٍ بلا رأس. الأمعاء شجارٌ طويلٌ في حانة رخيصة. المعدة جسرٌ متآكلٌ تدوي فوقه القطارات. والرقبة فنارٌ يحترق، بلا كللٍ، في المحيط. لكن الكتف؟ الكتف وسط هذا الخراب، يجلس، يشعل سيجاراً، يبتسم، ولا يعترض على شيء. لهذا، حين يشتد القصف، وتموت كل الأمهات، ولا يرد على الرسائل أحد، ألمس كتفي، فقط ألمس الكتف، لأبصر كل الأشياء. وحين تزدحم الأيام بالفوضى، حين يسيطر اللصوص، ويسود المرتزقة والأغبياء، أهز كتفي، فقط أهز الكتف، ليتساقط رماد الخونة وتتكسر الآمال. وحين يدعو كل شيء للبكاء، وتتجمد الكلمات في الحلق، يصبح الكتف قطعة الأرض الوحيدة التي لم يصلها الماء. وأعود إلى نفسي حين أضع ذقني على كتفي. لأن الكتف رواق المشقة، وسارية القسوة والقلق. لأن الكتف يجعل اليد تسكن، والنظرة تبرد، وهو الذي يبريء الجلد من المعانقات. أميل برأسي على كتفي حين يخترقني سهمٌ طائشٌ فتعود لي الحياة. أضع يدي على كتفي في النوم كي لا تختطفني الريح. وأمرر أصابعي على كتفي حين يشدون الرحال، فأشعر بالوصول. لأن الكتف موهبتنا الأخيرة. لأن الكتف صمت الجسد، وهدوء الآباء الذين تعلموا كل شيء، في اللحظةٍ التي فقدوا فيها كل شيء. ولأن الكتف نقطة الصمت التي نجت، كنتْ التقط صورةً لكتفي كل يوم، لتستمر الأيام. وكان الكتف في مجلد الصور يذود عني، ينزع مني الغضب، ويعلمني الهدوء. وكنتُ أقول حين أرى كتفي: تكفي رؤية الكتفين، ليصعد المرء. لأن الكتف هو الجبل. تكفي رؤية الكتف للحصول على كل شيء، لأن الكتف لا يطلب شيئاً على الإطلاق. ثم استيقظتُ في صباحٍ ولم أجده. وكنتُ ألتقط لكتفي مائة صورة، ولا أراه. كأنه قرر المغادرة في الليل، دون كلامٍ أو أثر. عادةً ما يغادر الجسدُ كاملاً عند الوفاة، والأعضاء التي تشعر بالتعب والفشل، تغادر ربما في حادثةٍ، أو في غرف العمليات. لكن الكتف ليس عضواً يسقط ببساطة، أو يستأصل. الكتف ذاكرة اليد. الكتف بيت القلب. وهو الجسد، الجسد كله. وحين لا ترى الكتف ظاهراً في الصور فهذا يعني أنك أيضاً لست هناك. لأن الكتف آخر السلالة. لأن الكتف مكتبة، وحين تختفي المكتبة فجأةً يختفي كل شيء. وحين أستيقظ من النوم ولا أرى كتفي في الصور، فهذا يعني أنني أيضاً قد غادرت. 

الخميس، 13 نوفمبر 2025

يستيقظ

 


 ما كان يستيقظ لينهض، بل يستيقظ لينام. يستيقظ من يقظته الطويلة ليمشي حافياً نحو قوس النوم. لأنه لم يكن في النوم حين ألقى جسده في الصوفا، ولم يكن في النوم حين وضع شِقٌهُ على السرير، وموته على وسادة الريش. كان في نهارٍ دائم طيلة حياته، وما كان ليلٌ يجتبيه، وكان في الوهم الذي ظنه نوماً وسباتاً. كانت حياته ظلاً طويلاً لم يأخذه إلى أحدٍ أو إلى أحلام، وكانت مفتوحةً عيونه في الفتح والإغماض، حتى عذبته الرؤية وعذبه كل شيء. لهذا كانت اليقظة في الخروج من الصوفا والعين، وكانت اليقظة الذهاب إلى جسده الميت منذ عقود. وكانت اليقظة الذهاب بجسده إلى جسده، ومن الأجساد التي دخلتهُ إلى جسده. لأنه عرف أنه لم يعرف جسده ولم يذهب يوماً إليه. وعرف أن اليقظة تأخذه إلى أول نوم حقيقي، وأن كل الهجعات في حياته ما كانت نوماً، بل وهماً وأكاذيب تشبه النوم. وجسده الذي جرٌه معه طويلاً فوق أسفلتٍ وتحت مياهٍ ما كان جسده، بل ظلّ أجسادٍ لغرباءَ مشوا معه واستحموا إلى جواره. لأنه كان يريد أن يستيقظ من كل هؤلاء، وكان عليه أن يتخلى عن جسده ليجده، وعن النوم الذي حسبه نوماً، ليجد النوم الذي ما رآه. كان عليه أن يمتلك البأس ليطرد انتظاره الطويل في غرفة انتظار النوم. لأنه ما استقر يوماً في بيتٍ وما امتلك غرفة نومٍ بل غرفةَ انتظار نوم، وما كان يؤذن له بالدخول. وما رأى أحلاماً في ليله الأول الطويل، بل كدماتٍ وسقوطاً وسلباً ونهباً لجسده وبياض عينيه. والآن يستيقظ من خوفه، وما ظنها أحلاماً، وما ظنها حياته. لأن الأحلام كالأمهات، بقعةٌ وحيدةٌ بيضاء فوق حافرٍ أزرق. وما غشيهُ في عمره كله كان بقعاً بيضاء في كل ساق. ما كان يملك مفتاحاً ولا غرفة نومٍ وما وصل إلى أحلامه، لأنه لم يكن يبصر نفسه. لأنه كان يؤدي الوظيفة بعيون مغلقة، ويخرج مع الناس بعيون مغلقة، وكان يضحك حين يضحك، ويعانق حين يعانق، وينتشي حين ينتشي، ويأكل حين يأكل، ويرى حين يشاهد، ويحتسي حين ينتبذ، ويصلي حين يصلي، ويذبح ويجالد، بعيون مغلقة. رجلٌ يريد التخلص من مظاهر العيش، ومن مظاهر النوم. وكلما استيقظ من حلمٍ وجد نفسه في بيتٍ بلا باب، وفي أبواب بلا بيت. لكنه يستيقظ، مثل كل مرة فيها يستيقظ، كي يغسل وجهه، ويمسح على رأسه، ومثل كل مرة فيها يستيقظ، يشرب قهوةً، كي ينام.

السبت، 16 أغسطس 2025

النوم شيءٌ واضح

 


النوم شيءٌ واضح. يقيسونه بالغياب والغطيط. بالصمت والأنفاس. يدركونه في هدوء وهجوع القطارات التي تحفّ الليل. يبصرونه موجاتٍ صاعدةً وهابطة، ضحلةً وعميقة، في معمل النوم.

 النوم شيء واضح وعميق. مثل بئر من حليب وضباب شهي. رأيته بعيني بقعةً زرقاء ضخمة، فوق المقاعد الضيقة في الطائرات التي تعبر الماء. أبصرتُه جناحاً هائلاً أبيض فوق أسرّة الفنادق المسمومة المريحة. رأيته وسط المدينة، يكلل رؤوس المشردين السكارى في خيامهم المنصوبة أمام محال الذهب. ولطالما رأيته ممتداً، مثل صرخة، في عيون النساء المثقلات بالأمل والحليب. أعرف النوم جيداً مثلما أعرف الماء. وأعلم كيف ينسربُ من أجساد الآباء الذين اخترقتهم طلقاتُ الأحلام. النوم شيء واضح وشفيف، مثل ماء لا يمكن الشرب منه. الآخرون يدخلونه كما يدخلون قبراً واحداً كل مساء، وأدخله مثلما أدخل مقبرة كاملة، بشبكة قبور مفتوحة، قبراً قبراً أدخل النوم ولا أموت. أذهب للنوم كما تذهب الزرقة للبحر، والحوريات لكتب الأطفال. أحدق الآن في سقف الغرفة وأشاهد صليباً ضخماً من أخشاب القلب ومن صحراء ورائحة بنزين، ثم مكبلاً بالجن والصمت، أحبو في ظلمة قاهرة، فوق بلاط بارد تحت الأرض. أتلمس شللي في مغطسٍ أسود، في بيتِ شخص غريب. أسمع غطيطه وأخاف نجدته لي، لا أدري كيف وصلتُ إلى خلاء معتمٍ لا باب له، وأهمهم بفزع من يرى خروج الروح: كيف سأخرج من ظلام نفسي إلى النوم؟ أجزعُ، فأرى الأحلام التي تحلم بها الوالدة تحت الأرض، أسمع تكّات ساعة (الصليب) تجلجل فوق يد أبي الغارقة في النوم..
أنا لا أنام يا أبي. أعرف كل القصص وكل الأكاذيب ولا أعرف الموت. مضت الحياة بكامل عريها أمامي وما عرفتُ شهقة النوم. وما عرفتُ الكلام لأنني أخسرُ كلمةً كل يوم. لأن النوم جرحٌ واضح، كاملٌ وحقيقي، مثلك أيتها المرأة الغريبة التي تعرف عني كل شيء، ولا أستطيع الحديث معها عن أي شيء.

السبت، 4 يناير 2025

الأولاد

 


الأولادُ بعيدون، لأنك لستَ في البيت.


والبيتُ بعيد لأنك في السهو.


تنام في مقاعد المطارات أكثر من غرف النوم. لا تصل لشيء، ولا يعرفك أحد.


لن يكون لك ولد، ولو أحبلتَ كل النساء. لن يكون معك ولد، ولو أحببتَ. لا أولاد لديك. ولو رفعتَ المواليد، وقصصتَ الحبال،في غرف الوضع.


الأولاد بعيدون، لأن السماء تطبق عليك. لأن الولادة بُعد. لأن الولدَ كذبة بيضاء، والأب مجازٌ في مكتبة الرمل. لأن الليل الأول نهبَ كل شيء، لأن العائلة ثقب في القلب. الضنى موت، والأبوة مزرعة الفقد. لأن التعب كمانٌ أسود ضخم. لأن الأرض جارحة، والدمع جدارٌ قصير.



الأولاد بعيدون، لأنك بعيد عن قلبك، وبعيدٌ عن العين. لأن وجهك في الينابيع، وقدمك في المتحف. لأن الكتب كدماتٌ والأسفار ندوب. لأن الشفاه تصير شوكاً مع الوقت. لأن الجيوب مليئة بالليل والصمت. لأن القبور صلبة والسفن متعبة. لأن الرمقَ في الفراشات، والنار نجمةٌ في كأس. لأن الآباء في نهاية الأمر لا يحصلون على شيء، والأصدقاء يكذبون عليك، مثلما كذب الوقت.



لا أولاد في البيت. لأن الأصلاب تجفّ كالورد، والبيت خريفٌ ثقيل. والذي يملك مجرفةً لا يملك يديه. لأن اليد في الصبح ليست يداً في الليل. والعين في الصحراء ليست عين الغابة. لأن رمان ركبتك ينفرط منذ أعوام في حِجرك الحسير.


الأولاد في الليل يبتعدون، لأن صدغك ملتصق بالنافذة، والنافذة ترتفع طابقاً كل يوم.


وينأى البيت. لأن البيت يدك التي سقطت منك وأنت تركض بين طائرتين. لأن الزمن حفرة زيت تظهر باستمرار، البحر يكبر، والسفر لا ينقذ أحداً.


لن يكون لك بيت وأنت تخشى البيت. لن تملك غرفةً للجلوس، أريكةً، أو مطبخاً يشبهك. لن تملك موقداً وأنت تكره الرؤى والأحلام. لن يصمد الباب، وأنت تخشى المفاتيح، وترهبك الريح والأجراس.



لا بيت ما دمتَ لا تذهب للنوم، وتخشى قيامك من النوم. الهدوء جلطة بيضاء. الأصوات العالية تقصّك من الجذور. تحية الصباح لا تختلف عن صداع الكحول. تذاكر السماء بيعت بالكامل. ملائكة اليمين لا تختلف عن الشمال. البحر يمتلىء بطرود الميلاد وأسلحة الحرب. والشمس في الجدي لا تشفي أحداً ولا تضيء الطريق.


لن يجيء أحد هذا الصباح، وأنت الوحيد الذي يستيقظ في هذه المدينة. عليك أن تنام جيداً كي ترى البيوت. عليك أن تنام كي يظهر الأصدقاء كالبرق، وأنت لم تنم منذ ذلك الموت.



الأولاد سيزدهرون بعيداً عن عينيك. الأولاد يذهبون للنوم والموت والمستقبل والأصدقاء. لأن الأولاد سحابٌ مبهجٌ وحزين. لأن الشمس امرأة في صندوق الرسائل القديم. ستهجرك الروح والكلمات. ووحدها القطط سوف تنام بين رجليك. أنت حارس الصباح الأخير. تضع العصا في الموقدة، والأسنان في الثلاجة. تصنع قهوةً كل صباح، تطرق بإصبعك التسبيحة الألف، والورق القرمزي يتساقط أمام عينيك في نافذة المطبخ.



فمن سيكنس حين تغيب، براز القطط الحزينة، رسائل الكهرباء والغاز، وكل هذا الورق الخريفي، في فناء بيتك الذي لم تمتلكه؟