الجمعة، 13 أبريل 2012

غيّ الحلازين





الكائن الرطب الذي يحمل منزله فوق ظهره كالغجر ومشاة المتنزهات الوطنية.

 اللدنُ الذي ندهسه سهواً بأحذيتنا في الليالي الممطرة.

سيدُ الدأب والبطء. 

ننام بينما يحيل بدأبٍ ردهة البيت والسجاجيد إلى فضة، إلى كرنفال زحلقات، ومدينة ملاهٍ لسائح وحيد هو ذاته الهشة المحقونة بالمياه.

السيد الذي لا يأخذ الحياة على محمل الجد، ولا ينتظر أحداً، ولا يبحث عن قطعة أرض.


السيد البزّاق.

يبصقُ على العالم في الليل ثم يمضي غير عابئ بخلفاء الإله في الكون، ولا بتعويضهم عن الأضرار التي تلحقها بصقته بأرائك المخمل والسجاجيد وخشب الأرضيات.

بصقة الحلزون هي سيارته الرياضية المكشوفة التي يستقلها في نزهات الليل.

 يبصق ويتزحلق فوق حريته، رافعاً قرني النصر واللامبالاة، ثم يغادر بخفة قبل أن نكتشف آثار حفلاته الصاخبة في الصباح.

يعلمني البزّاق أن مركبة الليل تصنع من حوار مع غُدد الذات، وأن محركها الفضي هو الرغبة بالخروج وتلطيخ العالم بلعاب الصدق.


فريسة الملح والخمر.

جربت ،كبشريّ، نزقَ الدفاع عن منزلي ضد طيش الحلازين مستخدماً أسلحة تبيحها جماعات الرفق، كالملح والخمر.
 
أكمن للحلازين تحت ضوء القمر، وأذرّ فوق أجسادها اللدنة ملحاً ناعماً فتنتفخ أجسادها وتنفجر.
 ينفخ الملح أجساد الحلازين كبالونات طارداً من أجسادها الماء، فتنفقُ، وتتصاعد من ظهورها فقاعات النزع الأخير والغرغرة.

ولأنني تقززت من مشاهد التفسخ التي كان يصنعها بارود الملح بالحلازين الطيبة، قررت إنهاء مغامراتها الكونية بطريقة أرحم: أن تقضي غرقاً في مسبح مملوء بالخمر، فيبدو الأمر، مثل نهايات المشاهير، قضاء وقدراً، ودون دماء: جرعة زائدة من المحرمات!

يستطيع الحلزون التزحلق فوق شفرة حادة، لكنه لا يستطيع تجاوز شهوة الفناء.

 لا يطيق الحلزون مقاومة الحفلات، ومنها بالطبع حفلة الموت.
وعندما أخبرني جاري عن حب الحلازين لرائحة البيرة، قررت نصب كمائن من البيرة لها في حديقة البيت.

في الصباح كانت الحلازين الغاوية طافيةً، مكللةً بموت ناعم، سعيدةً كمشردي الشوارع، ومضرجة بالخمر.
 
في (سأم باريس)، كتب بودلير: لا تكونوا عبيداً معذبين للزمن. اسكروا بالخمر، أو بالفضيلة، أو بالشعر. بحسب ما تهوون. المهم أن تسكروا! 

لكن هل كانت الحلازين معذبة مثلنا للزمن، حتى تخسر الرحلة عند كمين البيرة الأول؟
أم أنه شغف الذهاب إلى النهايات والأوطان، مثلما يحصل لفراشة تظن النار غمزةً من الفراديس.
 

-----------------------------

مانشستر- مارس- 2012

السبت، 7 أبريل 2012

ضوء يغطس في المحيط


-1-
بعد أربعة وثمانين عاما من الكارثة، وبعد أن نقضت حبالها المئة، صعدت السيدة روز مقدمة سفينة البحث الامريكية في الاطلسي، تماما فوق حطام السفينة الغارقة تايتنك ، ثم انفرجت أصابع يدها الراعشة عن قلادة زرقاء رائعة تركتها تهوي في قلب المحيط، كأنما ليمسح الضوء الازرق الدافىء وجهاً نافقاً وبارداً في المياه.
الشهقة الطرية التي انفرطت من جوف السيدة روز لحظة انزلقت منها القلادة تتجاوز الثمانين عاماً بعد أن ظلت كل هذه السنوات مركومة في صدرها الموصد كصدفة.
تخرق الجوهرة الماء، ترقد الآن في قاع المحيط، فتستيقظ الغرف والموتى، وتضيء فجأة ثريات السفينة الغارقة وتمتلىء القاعة بالضيوف.
تعود السيدة روز من مقدمة سفينة البحث الى سريرها لتتم حلمها الطاعن في الضوء تشق صفوف الضيوف، ثم تصعد السلالم بخفة السابعة عشرة لتمس يد الشاب التي بردت منذ عقود ، جاك دارسن.
هكذا يرسم الكاتب والمخرج السينمائي جيمس كاميرون قفلة فيلمه الأخير تايتنك ، الفيلم الذي أثار قلق مموليه لارتفاع تكلفة انتاجه البالغة مائتي مليون دولار، هكذا: بثروة تهرق و حلم يضيء.
ومع أن الفيلم يتناول أساسا كارثة غرق السفينة تايتنك في عام 1912 إثر اصطدامها بجبل ثلجي عائم في شمال الأطلسي، إلا أن كاميرون مخرج (تيريمناتور2 ) لا ينزلق إلى توقعات من انتظروا مشاهدة فيلم كوارثي يعتمد التشويق و الإبهار التقني ولقطات الحركة المتقنة، الأمر الذي كان سيحيل الفيلم الى مجرد سرد تسجيلي للكارثة.
- ينجح كاميرون في التقاط مصل حي يحقن به ورك الكارثة من خلال نسج قصة حب ضارٍ بين الفنان الشاب جاك (ليوناردو دي كابريو) والثرية الشابة روز (كيت وينزلت) ، يلقي بعدها بالقصة بانحناءاتها وتقلباتها الدرامية في بؤرة الحدث الكارثي الذي يسهو عنه المتفرج طويلا لانشغاله بمتابعة تناميات الوشيجة المذكورة، حتى أن حضور الكارثة في الثلث الأخير من الفيلم يبدو مصعّداً، ممتزجا، ومتمماً للعلاقة الانسانية في أحلك لحظاتها - لا يحدث الاصطدام الهائل الا بعد ساعتين من بدء الفيلم البالغ طوله أكثر من 3 ساعات!
-2-

- يبدأ الفيلم بالزمن الحاضر حيث فريق غوص أمريكي على متن سفينة في شمال الاطلسي يحاول العثور على مقتنيات مهمة بين حطام السفينة الغارقة " تايتنك" والتي كانت تقل ألفي راكب بينهم عوائل ارستقراطية ثرية من أوروبا الى أميركا.
يعثر فريق البحث على خزنة يعود بها الى سطح السفينة، وبعد أن تفتح أمام شاشات التلفزة العالمية لايعثر الخبراء إلا على كمية من الطين والأوراق التالفة وبورتريه لشابة حسناء يتوسط جيدها قلادة.

 تتصل امرأة عجوز برئيس الفريق لتخبره بأنها تلك الفتاة التي في اللوحة وأن العقد عقدها، وهكذا يتم إحضار العجوز السيدة روز الى سفينة البحث لتدلي بشهادتها وتسترجع سيناريو الكارثة عبر فلاش باك طويل يستغرق المدة المتبقية من الفيلم.

- وهكذا تبدأ خيوط الوشيجة الانسانية في التشابك والتعقد بدءا من تعرف الفنان الشاب جاك على الثرية الارستقراطية روز المخطوبة لشاب ثري يسافر في ذات السفينة، وانقاذه لها - اي جاك - من الموت غرقا بعد أن حاولت القاء نفسها في المحيط بسبب ضيقها بهذا الزواج وتقاليده الارستقراطية الصارمة . تنجذب روز إلى عالم جاك البسيط وسط رفض العائلة ومحاولات الخطيب الثري للايقاع بجاك وتلفيق التهمة له بسرقة جوهرة زرقاء كانت روز ترتديها ثم يأخذنا المؤلف الى سلسلة من الاحداث المشوقة تنتهي باصطدام السفينة ومحاولة ركابها للنجاة.
 يظل جاك في مياه المحيط طوال الليل ممسكا بجزء من حطام السفينة تتمدد عليه روز حتى يموت متجمدا وتنجو هي بعثور سفينة أخرى عليها.
ويبدو أن قصة الحب هذه هي الجوهرة الحقيقية التي عثر عليها فريق الغوص بعد 3 سنوات من البحث، ويبدو ما سبق تلخيصا لابد منه لتتابع المشاهد في الفيلم بغية إشراك القارىء في التعليق والمتابعة.
 
-3-

يمكننا أن نتحدث الآن وبعد عرض موجز لتتابع المشاهد في تايتنك عن الجماليات البصرية التي يثيرها الفيلم في حواس المتلقي العادي والمتخصص على السواء.
ويمكن القول إن وشيجة الحب الخافت والضاجّ في آن والتي نسجها كاميرون مخرج الفيلم قد نجحت في إنقاذ الفيلم من الغرق بعد أن غرقت السفينة الباذخة ومعها مائتا مليون دولار في الأطلسي!
لقد كان عشاق الفن السابع بحاجة الى ملحمة رومانتيكية هائلة تعيد الى حواسهم شيئا من الهدوء الانساني والدفء الذي افتقدوه في غمرة الصخب والعنف والضحك الاستعراضي مع موجة أفلام تحتفي بالحركة والإبهار التقني والاستعراض، ولهذا السبب يواصل تايتنك حصد النجاحات محققا بعد أسابيع قليلة من عرضه أكثر من اربعمائة مليون دولار في دور العرض العالمية، وما زالت عروضه وايراداته مستمرة


إن تايتنك ليس مجرد فيلم ممتع. إنه من تلك الأفلام التي تحتشد أيضاً بجماليات بصرية وثراء فني لافت بدءاً من إيقاع الفيلم وحركة الكاميرا وسلوك الاضاءة وغيرها من أساسيات صناعة الفيلم.
وإذا كان الإيقاع عنصرا أساساً في بنية أي عمل فني سواء كان هذا العمل شعرا أو رواية أو موسيقى فإنه في الفيلم جوهري لوصول العمل الى العين بالشكل الذي يضمن معه المخرج أقصى طاقاته التأثيرية.
وقد وفق كاميرون في ضبط المدد الزمنية للقطاته لتتوافق بشكل متقن مع طبيعة الحركة والموقف الانفعالي والدرامي للمشهد نفسه بحيث بدا تقطيع اللقطات رافدا متقنا للجو الذي تعبر عنه اللقطة سواء باستخدام التقطيع السريع في المشاهد التي تصور الذعر والهلع الذي أصاب ركاب السفينة بعد الاصطدام أو التقطيع البطيء في مشاهد أخرى يتطلب نقل حمولتها النفسية تمددا واسترخاء في زمن اللقطة.
وبالتنويع بين هذين الأسلوبين الايقاعيين استطاع كاميرون احتواء حركة ابطاله وانفعالاتهم مثلما حركة الماء والأجسام المادية في مشاهد الفيلم ( ليلى الاحيدب مارست هذا المزج الايقاعي السينمائي بنجاح في قصتها (حركة - صنم).
ومن الأساليب التي استخدمها المخرج ايضا لإثراء إيقاع تايتنك أسلوب المزج (1) في تنفيذ القطع السينمائي بين لقطة ولقطة لتخفيف الشعور بالقطع الزمني وإذابة زمنين في مجرى واحد.
والمزج (أسلوب لتركيب لقطة فوق اخرى بطريقة يتم فيها اظهار شكليهما يمتزجان او يذوبان في بعضهما) وقد نفذ كاميرون هذا الاسلوب في أكثر من مشهد للانتقال من زمن الكارثة الى الزمن الحاضر وبالعكس، ففي مشهد ما تقع عينا العجوز وهي تتذكر الكارثة على تسريحة أثرية نادرة تخص غرفتها في السفينة الغارقة. تظهر التسريحة بخلفية رمادية مضببة مما يضفي ضوءا عتيقا من الغموض والحلم وجلال الآفل. ما أن يقع بصر روز على التسريحة حتى تعود الكاميرا الى ذات اللقطة الرمادية وهي تمتزج وتتحول بفعل ماء نظرة روز.

 كأن النظرة على الأثر تغدو حمض تظهير للذاكرة والأثر، وهكذا تمتلىء مسامات التسريحة الخشبية والمرآة بلونها الطبيعي، ثم تبتعد الكاميرا ويتسع مجال اللقطة ليظهر باب الغرفة وتدب الحركة في المشهد بفتح الباب ودخول جاك وروز قبل الغرق بساعات.
ذات الأسلوب يستخدمه المخرج بشكل عكسي لتركيب ثلاث لقطات في لقطة واحدة بعد أن ينتهي جاك من بورتريه روز، إذ يمتزج وجه روز مرسوما، بوجهها في السابعة عشرة، ثم بوجهها بعد المائة أثناء سردها حكاية البورتريه لفريق البحث في دلالة زمنية تعني وتختزل الكثير.
ولتجسيد الثراء والتنوع الذي حمله عنصر الزمن في الفيلم يستخدم كاميرون إلى جانب الأساليب الايقاعية السابقة أسلوب الاختفاء بمعنى امحاء اللقطة تدريجيا واسودادها على الشاشة لإنهاء مشهد أو زمن والانتقال الآخر الى جانب الاضاءة الزرقاء الخافتة أو الرمادية لمشاهد الفيلم والضبابية التي كان يمنحها التركيز البؤري للكاميرا في بعض المشاهد مما ساهم فعلا في ايصال الصدمة البلاغية لجوهر العرض: الحب، والزمن.
 -----------------------------
-1-  استخدم الشاعر الاماراتي عبدالعزيز جاسم هذه التقنية السينمائية باتقان في قصيدة ·فوق نظرتها مشت عربة 
* نشر المقال في جريدة الجزيرة السعودية (12 مارس 1998)، وأعيد نشره بمناسبة إعادة عرض الفيلم هذا العام بتقنية الثري دي



الاثنين، 27 فبراير 2012

ساقا الغزالة







أسميكِ الغزالة مثلما كانوا يسمون والدكِ: الغزال
وأقول حين أرى الغزالة: ساقا الغزالة هشتان

ساقاك الآن عودا قصبٍ تصّفرُ فيهما الريح لحن الوحشة والنهايات  

ساقاك هشتان لا تتحملان وطأة طيور الألم السمينة التي تتزاحم على كتفيك كل صباح

 حيث الغزالة محبوسة في حصة البطء الصباحية التي لا يحدث فيها شيء ولا يرن فيها هاتف ولا تزور فيها جارة ولا ينحني فيها سياج لساقيك اللتين فقدتا ذاكرة القفز والسهول 


 ومع كل حقنة إنسولين تخترق فخذكِ في الصباح تنشدين:

لا واحلالاة يا السيقان _ لو ينشرن كان أبشريها
كلٍ يدور على السيقان_ وبالسوق مهوب لاقيـها



أتأمل ساقيك يا سيدتي لأن الغزالة التي ركضت كثيراً إلى الآبار لا تستطيع الآن أن تقف لتشرب بنفسها حين تنضب السكاكر في دمها في الليل وتخطفها سماوة النسيان

 أكتب عن ساقيك يا أمي لأن الغزالة التي علمتنا المعانقات وقوفاً لا تستطيع الآن أن تتكيء على ساقيها كي تعانق 

أكتب عن مجد ساقيك اللتين وقفتا لعقودٍ كسنديانتين فوق بلاطات المطبخ وأنت تعدين لنا وجبة في ليالي الشتاء دون أن تتململا من الوقوف 


أستعيدُ خفة ساقيك اللتين وقفتا طويلاً كسارية وأنت تطيرين في الهواء قشور القهوة التي تحمصين بخفة الحواة، أو تخدرين لنا شاي الفجر قبل المدرسة

وأتحسر على مجد ساقيك لأنني حين أرى سيقان الواثبات والعارضات ولاعبات التنس والأكروبات وفتيات الباليه أقلل من مواهبهن حين أتذكر غزالة الماء التي كانت تنقل بخفة،  قدور المياه فوق رأسها عدة أميال كل يوم، دون أن تسندها بيدها، ودون أن تخسر قطرة ماء في الطريق إلى البيت

وأكتب عن ساقيك المتهدمتين الآن لأنني أخجل وأنا أتذكر ركضهما بي في الشموس لأميال بحثاً عن طبيب  في الظهيرة يسعف جلد الرضيع الذي غافلك وأحرق أفخاذه. ثم حين لا تجدين مستوصفاً ولا مسعفاً، تركضين بالطفل ذات المسافة، عائدة بقدمين مشويتين في صيهد الصيف

أكتب عن ساقيك الخائرتين الآن لأن على عشاق الدنيا جميعاً أن يخجلوا من  ساقيك اللتين تسلقتا مرة دار الزوج الذي تركك وذهب مغاضباً إلى الصحراء دون أن يمنحك مفتاحاً ولا وعداً. 
 لكنه حين عاد بعد أسابيع فوجيء برائحة قهوة تنتظره، ودار نظيفة، وامرأة محبوسة تعد القهوة كل صباح وتنتظر عودة الحبيب الهارب.
وحين أقول ممازحاً: هل هناك امرأة في هذا الزمان تفعل فعلتك؟ تقولين بيقين يخطف القلب: تسلقتُ كثيراً من أجلكم! 


أتذكر أمجاد ساقيك فأخجل من كل خطوة أخطوها حين أرى ساقيك المكبلتين بالوهن، وأحاول عبثاً أن أبتكر لك ساقاً أو أتخيل مرهماً سحرياً يمنحك حصة مشي ولو لساعة في اليوم

أكتب وأنا أشعر بالعُقَد التي نفثها العمر في ركبتيك، والسوائل التي تتصلب في مفاصلك يوماً بعد يوم  فلا تقوم ناعورة الأمل بعملها كما ينبغي، وحين تصدأ قواديس الناعورة وتخذلك ساقا الغزالة من جديد، تنظرين إلي وتقولين بنصف ابتسامة:

لا واحلالاة يا السيقان – لو ينشرن كان أبشريها





الجمعة، 25 نوفمبر 2011

تخدرين الشاي والروح



بذات الشرشف العنابي
الشرشف الرهيف المنقط
البارد دوماً
 
تؤوينَ بردَ البلاطاتِ بما يتشققُ 
من كهوفِ الأخمصين
 
واقفةً

تدوّخين السكّرَ والصلاةَ في إبريق


* * * * * * * * * * * * * * *
 
وقتَ تسوقينَ حديدَ الملعقة
ليخدشَ هدأة المعدن
 
تحررينَ أغلالاً راسبةً لتطير
 
وبينما رنينٌ دمثٌ يفركُ الهواء

يسفحُ الماء أعطافهُ

هادراً
كحنيـــــــــــــــن



* * * * * * * * * * * * * * * *

ربما المراميةُ  تنفضُ روحها الآن

أو ربما تمسدينَ أعناقَ حبقٍ
يألفُ برية أصابعك

الأصابع ذاتها التي تغمسهُ في الحميم
ليضلل بدمه ما اعتكر من دمٍ

أو ليعالج الراشفُ ما يطلعُ 
من شياطين .

*********

وإذ تنتظرينَ كظلٍ 

-
ترجمينَ الوحشةَ بغناءٍ وئيد -



يطفو زَبَدُ آخر روحٍ قصيّة
 


وبينما تحرسينَ هلاكَ لهبٍ ضال

تغور وئيدةً رغوة الغرقى
كما سخطكِ الفالت علينا
أيضاً



* * * * * * * * * * * * * *
 
تهبطينَ الآن

ليرشفوا " دم غزالةٍ"
أطلقتِها
في الفناجينِ
لتدوخ شياطينهم

كما لتعلّقي نظراً قصيراً
هناك يومضُ
 
حيث تخدرينَ الروح
 

حيث تخدرين الشايَ والروح














السبت، 12 نوفمبر 2011

لو أن تلك القصيدة لم تعجبك



حين تأتي النوبة أضغط على خاصرتي بقوة
مفكراً أنني لو لم أكتب تلك القصيدة قبل عقدٍ
لربما كنتُ أكثر شباباً مني الآن

لو أن تلك القصيدة لم تعجبكِ  حينها
لربما كنتُ فعلتُ شيئاً آخر في العقد الفائت من حياتي سوى أن أطاردك بلا طائلٍ


 كصيادٍ يطارد أيّلاً في متحف التاريخ الطبيعي

وهكذا أفكر كيف سيكون فيلم حياتي
لو أن الله منحني عشرَ سنواتٍ بمعزلٍ عن برادة صوتك وعينيك:

 كنت سأبدو حينها أكثر شبهاً بأبي بعد أن يطفئ الله جيناتك المعلقة في دمي كعقد مصابيح

كنت سأسافر وحدي دون امرأةٍ تخاصرني بصورةٍ افتراضيةٍ وترسل ظلها ليحرسني  من أذرع الجميلات في وهاد سان فرانسيسكو

كنت سأكتب في المدائن التي أنزل بها عن امرأة عابرةٍ كل مرةٍ كما يفعل على عجلٍ رساموا الشوارع وقطارات الأنفاق

كنت لن أتناول قهوتك بالبندق لسنوات ولن أصاب بحصواتٍ في الكلية إثرها تتركني ممنوعاً من البندق ومشروبات تقوية الأمل

وكنت سأتمكن من النظر الى البئر القديمة في عيني أمي حين أزورها دون أن تنسفها في كل مرةٍ عيناكِ المغروزتان في عينيّ 

في عشر سنوات كما تعلمين يمكن أن يفعل المرء أشياء كثيرة:

مثل أن يبدو طبيعياً ويتحدث كالخلق عن السياسة وخفايا الأسرة المالكة وأميرات الشرق في المنافي وطفولة ستيف جوبز ومؤخرة كيم كاردشيان التي يتحدث عنها كل الرجال الذين لم تجمدهم عيناك

ومثل أن يكون للمرء أصدقاء يتسكع معهم نهاية الاسبوع في بهو الفنادق الفخمة ليتحدثوا عن  الثورات والتنانير القصيرة لزميلاتهم في البنك الفرنسي

مثل أن ينشر كتباً تافهةً من مقابلات نارية كان أجراها مع أشخاص من قش وأقمشة مفبركة

مثل أن يعتني بعضلات جسده قليلاً ويجمع المزيد من قمصان رالف لورين ولاكوست وبيربري

مثل أن يلمع نفسه في الصحف بواسطة أصدقائه النافذين الذين أضاعهم دفعة واحدة حين فجأة التفتَ إليك 

مثل أن ينام مبكراً ليطرد كحل الحبيبة المغشوش وبناتِ نعش من عينيه

مثل أن يجري تلك العملية السرية في جسده التي قيل إنها ستجلب له الحظ 

مثل أن يلحق بتكبيرة إحرام الصبح كي يقرّ بصر الوالدة الذي يطارده السكريّ 

الوالدة التي لا تزال تقص على الملكين بعد الفجر أمنيتها بولد يؤتيه الله الحكمة لتبز به شقيقاتها اللاتي اعتدن على تفريخ القضاة ومفسري الأحلام

ولكن عشر سنوات يا سيدتي من الانشغال بعينيك لم تترك لي القدرة  على انجاز شيئ سوى لف المزيد من سجائر الندم، والنصوص الرديئة التي صرت أكتبها منذ تلك القصيدة التي أعجبتك

الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

امشي حافيةً كي تدب الطمأنينة في عروق الرخام


كرسيٌ، و رائحةُ قهوة،
 و عيناكِ
كل ما يلزم لدخول الجنة


  عيناك  تكفيانِ
لأغفو على الورقة الآن

مبللاً حبري بندىً غامضٍ
 قيل إنه دمع ياقتي التي عدّلَتْ  ثنيتها أصابعكِ في الغيب


حين أراك للمرة الأولى

لا تضعي الكثير من الكحل والظل

فأنا أشك في قدرتي على رؤية الأشياء كما هي من المرة الأولى
خصوصاً إذا كانت هذه الأشياءُ باهظةً
 و مليئةً بالتفاصيل
 مثل عينيك

يكفي أن تقولي إنكِ تبرجتِ
لأصدقكْ
واتركي زينةَ عينيكِ للمرةِ القادمة

ارفعي جفنكِ برفقٍ كي يلجَ ضوءُ عينيكِ روحي بهدوء
دعي الشعاعَ يعالج ندمي و عظامي
واتركيه دافئاً و ضاماً كي يرتقَ ثقوبَ عيني، و يصححَ حدّةَ شغفي بالورد

أيضاً

حين أراكِ للمرة الأولى

ارتدي قميصاً داكناً

لأستطيع تمييزَ الظلِ الذي سيتركهُ جسدكِ في الغرفة
ولأنني وقتها

لن استطيع تمييزَ بياضكِ عن بياض الأقمشةِ
 والملاكِ الذي يحرسُ ظهركْ

 

 
ارتدي حذاءً واطئاً
لأصغي إلى الحدائقِ والظلالِ التي تتبع مشيتك

 
أو امشِ حافيةً
كي تَدُبّ الطمأنينةُ في عروق الرخام

ودعي الكعب العالي الذي يخاصر قدمك بشغفٍ
ليطعن روحي بموسيقاه في المرة القادمة

فكما قلت
أحتاج في المرة الأولى
 إلى هدوءٍ و عتمةٍ وظِلال
كي أصدق أنك معي
ولأنني سأحدق فيك طويلاً ببلاهة العشاق
دون أن أرى شيئاً

شيئاً واحداً أستطيع أن أذهب به معي إلى البيت
كطفلٍ
وأحلمَ به

لا تسأليني اذاً
من المرة الأولى
 عن عينيكِ
واسأليني 
عن الظل والعطر و الهدوء الذي سكبتِ بغزارةٍ
 على الكنبات والوسائد

اسأليني عن درجة حرارة الغرفة
وعن درجةِ حرارة أصابعي
ولونِ وجهي
والجنيات اللاتي كن يمسّدنَ حجراتِ القلب
والقهوةِ الباردة
والملاكِ الذي مر بي
ولفّني بجناح نوره

دون أن أراه

الاثنين، 13 يونيو 2011

الحمامة الثانية أكثر عمقاً



كان بيكاسو يقول: المدهش في الحمام أنه حين ينظر إليك، فهو من يشعر بالأمان، مع أن المفترض أن نكون نحن من يشعر بالأمان.



الحمامة لا تشبه أحداً.  طائر المحبة و البريد الأليف الذي أعطاه الله إبرة مغناطيسية ليحفظ جغرافيا الكون وقلوب الكائنات، هو الطائر الذي رأى أولاً، حين جاء بخبر اليابسة بعد الطوفان.


الحمام ليس مجرد مسافر محنك، بل هو فنان مرهف المشاعر بالفطرة، حتى أن علماء النفس في تجربة نادرة أظهروا قدرته-أي الحمام- على التعرف على لوحات بيكاسو و مونيه، والتفريق بينها، وعلى امتلاكه نفس مهارات المقارنة الفنية التي يمتلكها شخص في المرحلة الجامعية لتمييز أعمال فان جوخ و شاكال! (1)



أما لماذا الحمام الآن، فلأنني بعد أن أعدتُ قراءة ملحمة جلجامش –أقدم ملحمة في التاريخ- و جدتُ نفسي أقلب تفاسير سورة هود التي حكت قصة الطوفان، و صدري مكتظ بالحمائم والأسئلة. أما العلاقة التي تربط بين أسطورة جلجامش المكتوبة على ألواح الطين السومرية قبل 4000 سنة وبين سورة هود، فهي قصة الطوفان العظيم، والحمائم، والبحث عن اليابسة.



كان نوح في سفينته يقيس المسافة إلى اليابسة بالحمائم (2). فبعد أن توقف المطر أرسل نوح حمامة، وبعدها بأسبوع أطلق حمامة أخرى.
الناس لا يذكرون إلا الحمامة التي وجدت بعض مواضع اليابسة وعادت بغصن زيتون. يذكر الناس جيداً تلك الحمامة التي عادت و صارت رمزاً للسلام. لكن لا أحد يذكر الحمامة الثانية التي أطلقها نوح بعدها بأسبوع و لم تعد حتى الآن. تلك الحمامة التي ربما وجدت شيئاً حقيقياً ولم تعد للسفينة، فأدرك نوح قرب وصوله لليابسة!



الحمامة العائدة بغصن الزيتون خلدها بيكاسو، و أصبحت صورتها مدموغة على شعار الأمم المتحدة، و توالى ظهورها فيما بعد في الصحف و المحافل كسفيرة للسلام. لكن ماذا عن الحمامة التي لم تعد؟

الحمامة الأولى أكثر شهرة. الحمامة الثانية أكثر عمقاً! أو هكذا أرى!



هل كانت الرسالة غير المرئية المربوطة بقدم حمامة الغياب تكمن في إيصال رسالة الغياب للمنتظرين على السفينة، كي يُفهم أن هذا الغياب بحد ذاته هو المعنى الذي سيوصل التائه في الطوفان الى اليابسة؟ وأن هذا الغياب يعني انحسار مياه الطوفان و قرب النجاة؟



أظن أن قيمة رسالة حمامة الغياب أيضاً هي في استقلالها، و حماية المعنى من التكرار، فلو عادت للسفينة هي أيضاً ، وكررت رسالة الحمامة الزيتونية، لأصاب اليأس العالقين في البحر، لأن هذا يعني أن سبعة أيام أخرى قضوها في البحر لم تأخذهم خطوة واحدة إلى اليابسة. و بهذا المعنى أيضاً يكون الغياب تفسيراً لخطية الزمن ، و شاهداً على الأمل.


يكون الغياب موحياً و مكتفياً بنفسه حين يكون مفضياً إلى العلم و المعرفة، إذ حين لم تعد الحمامة (علمَ نوح أن الأرض قد برزت). ثمة هذه الوشيجة بين الغياب والمعرفة. غب لأعرف. غب لأعرف الحياة، أو كما يردد العشاق أحياناً: غب لأعرفك!



حمامة الغياب تطرح قيماً موجبة لا تنتهي للغياب، بوصفه مادة ثرية و غنية تدفع باتجاه الاستقرار والوصول، لبدء الحياة من جديد، على أرض جديدة. هكذا ينظر التائهون في السفينة إلى الغياب الذي اقترفته الحمامة بوصفه علامة على اقتراب الحياة لا الموت، وعلى أنه نبأ مبهج، فيا للمفارقة حين يصنع غياب ما بهجة شاسعة!



لكن كيف تنظر الحمامة التي حلقت بعيداً إلى غيابها؟ هل فقدت الاحساس بالوطن على يد نوح، وأغراها العالم الجديد؟ هل أصبح الوطن لديها في الذهاب إلى الأمام فقط، إلى الجديد، إلى التفرد، و لذة الدهشة غير المكررة؟ هل هربت الحمامة الغائبة من شيء لا نعرفه أو أدركت قرب شيء لا نعرفه فانطلقت وحيدة و منفردة إليه؟


حمامة نوح التي لم تعد هي أول من مارس حرية الذهاب الى الغيب، و استسلم لغواية السفر الحر. 



الحمامة الزيتونية أكثر ملاحة وهي تضع غصناً أخضر في فمها، وتتبرج لرسامي العالم. أما الحمامة التي لم تعد فأكثر غنى و أكثر اكتنازاً بملامح الدهشة و المعاني المدفونة مع اختفائها ككنوز غامضة.



ماذا عن الأمان الذي تحدث عنه بيكاسو؟
لقد شعرت الحمامة الزيتونية بالأمان بكل تأكيد وهي تعود و تنظر إلى عيني نوح، و تشعر بالوطن، فإلى أي العيون نظرت الحمامة الأخرى التي لم تعد كي تشعر بالأمان؟


لقد كانت كل عيون الكون حينها في السفينة فلم ينج أحد على الأرض سوى أولئك الذين صعدوا مع نوح إلى السفينة، فكيف وجدت حمامة الغياب أمناً ووطناً في الذهاب إلى الأمام دونما عينين تطمئنان إليهما؟ 



الحمامة التي عادت وفي فمها غصن زيتون شخصية تاريخية لافتة، لكنها لم تستطع أن تمنحني كل هذه الأسئلة الغامضة، ولم تستطع أن تسرق دمعةً مني كما فعلتْ ببراعة تلك الحمامة التي لم تعد!


---------------------------------------------


(1) Watanabe, S., Sakamoto, J., & Wakita, M.: "Pigeon's discrimination of paintings by Monet and Picasso", Journal of the Experimental Analysis of Behavior 63 (1995), pp. 165–174  



(2)" قال محمد بن إسحاق:فلما مضى بعد ذلك-أي الطوفان- أربعون يوماً فتح نوح كوة الفلك التي صنع فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة فرجعت إليه فلم يجد لرجليها موضعاً ، ثم مضت سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتونة، فعلم نوح أن الماء قد قل على وجه الأرض، ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه، فعلم نوح أن الأرض قد برزت" (تفسير الطبري)


"وعند ظهور قمم الجبال بعد مرور أربعين يوماً من الطوفان، أطلق نوح غراباً وظل يحوم حتى انحسار الطوفان ولم يعد للفلك، وبعد سبعة أيام أطلق نوح الحمامة التي لم تجد موضعاً تحط فيه فعادت، وبعد سبعة أيام أخرى أطلق نوح حمامة أخرى فوجدت بعض المواضع اليابسة وعادت و معها غصن زيتون غض، وبعد سبعة أيام أخرى أطلق نوح حمامة ثالثة ، وهذه لم تعد إلى الفلك، فكان ذلك علامة على انحسار الماء" (سفر التكوين)