الجمعة، 8 يونيو 2018

حكت لي الأخشاب




حين انتهينا من نقل الأثاث للبيت، نمتُ من التعب على خشب الباركيه. كنتُ مكشوفاً فحدثتني الأخشاب.
أخبرتني عن العائلة التي كانت تسكن البيت
حكت لي عن يقظة الأب المبكرة بلا هدفٍ واضحٍ كل يوم
عن المثانة العصبية التي تعذب الأم
ورقصة الطفلة الكبيرة في الغرفة الضيقة على موسيقى السبعينات

حكتْ لي الأخشاب
عن شجاراتٍ كانت تمتد طيلة الليل 
في منزل الجارة العجوز التي عاد ابنها من الحرب
وعن أشباحٍ مهذبة لا تستطيع مغادرة البيت منذ عقود،


حكتْ لي الأخشاب عن الألم الذي تسببه لها ساعة الحائط
والجرح الذي تتركه قطرة الماء في الحوض
والقرف الذي تشعر به من تسكع الفئران فوقها آخر الليل

وأخبرتني عن خطوات ثلاث سبقتْ وصولي إلى البيت
خطوة الأب الثقيلة فوقها كمرساة 
خطوة الأم المائلة في أيام الطمث
وخطوة البنت المليئة بالموسيقى والبروزاك
وأن البيت الإنجليزي قبرُ خشبي صغير،
 لا يمكن استخدامه مطلقاً للنجاة.

وقالت إن الخطى هي الناس، وإن أقدام الناس هي الشيء الوحيد الذي يمكث في الأرض. 

 قالت لي أخشاب الأرض إنها شعرتْ بفراغٍ وأسى كبير 
 مذ مشيتُ فوقها بالأمس
وإنها وجدتْ خطايَ بيضاء تماماً كالصحراء
لا تتركُ صوتاً ولا ثقلاً ولا حكايات
وإننا موعودان معاً بصمت أبيضٍ طويل

وقالت لي بوضوح: ما جدوى أن يقوم شبحٌ مثلك بدفع الإيجار؟ 
كان بإمكانك أن تجلس مجاناً أمام النافذة، وتنتظر بلا طائل، مثل أشباح كل البيوت. 


الأحد، 15 أبريل 2018

كيسُ شايٍ تؤذيه الكلمات





أنا كيسُ شاي الإفطار المخلوق للغمر مرة واحدةً ثم الاختفاء.  كيس الشاي الذي كان حرياً أن يُفتضّ لمرةٍ واحدةٍ ويغادر بعدها إلى النسيان . لكن يداً ما تمنع عني ما يستحقه كيس شاي بسيط. وبدلاً من أن تهضمني شاحنة النفايات في الليل، يقوم غرباءٌ بتجفيفي وإعادة استخدامي كل صباح.

 أنا كيسُ الشاي البسيط الذي يشعر بالذنب. انطفأتُ منذ أولِ ماء، ولم أعد أملك شيئاً للأكواب والشفاه التي أُقدّم لها صباحاً بعد صباح.

وأنا هنا الآن كي أقول للأصدقاء الذين يجيئون دوماً متأخرين: لستُ سوى كيس شاي أنهى مهمته في دماغ شخص ما. 
أقول للأصدقاء الذين لا زالوا يرسلون إلى قبري أشعاراً مترجمةً وأغنيات: لا فائدة مني ولا فائدة من أي شيء. فلأنني فقدتُ عيني قرأتُ كل شيء. ولأنني فقدتُ قلبي سمعتُ كل شيء. والآن ما عدتُ أملك طاقةً لسماع العصافير، وتؤذيني الموسيقى والكلمات التي تدار كل صباح.

أقول للأصدقاء الذين سأخسرهم بعد يومين من صداقتنا: كان الزمان عميقاً حين كانت دورة حياة كيس الشاي أقصر من سيجارة في شرفة. حين كان الصبية يغطّسون كيس الشاي بخفةٍ  في أكواب الورق، ثم يقذفون بالكيس الرطب بشكل هستيريّ إلى سقف المقصف المدرسي. كنتُ قريباً من السماء حين كان الكيس المشنوق يُترك وحيداً ومنتصراً كالأموات،  والسقف الأبيض الشاسع يصير سماء مليئة بمناطيد الشاي. 

وأكثر موهبةً من القبلة الأولى أن تكون لديك شهادة وفاة. أن تربي أسلاك روحك الشائكة، فلا يفكر أحد بغمركَ في شايه الصباحي.

حدث هذا لثلاثة أكياس شاي تشابكت خيوطها في برطمان الشاي منذ سبعة أعوام. تركتُها في حالها. لم أخدرها أو ألقي بها في إبريق. وكم هي سعيدة أكياس الشاي التي ييأس منها الآخرون. 

الجمعة، 9 مارس 2018

منام





الحلم غابتي الحَرام. مرةً أُنقذُ فيه غزالةً من سهمٍ طائشٍ فأشاهدها تهرب مع كلاب الصيد، ومرةً أصير فيه قمراً فيأكلني الذئب. لستُ منيعاً من الحنان رغم أنني مسيجٌ بدموع قديمة خضراء. أدفن قتلاي تحت العيون أو في كدمات زرقاء في قصبة الساق. في ظهري تنبتُ كرة تنس صفراء تجعلني أنام على شقٍ خائف. أسمع أنين الأشباح وهي تتبادل كسر الإرسال بين كتفيَ طيلة الليل، وأبصرها تشرب أحلامي كي تستطيع البقاء على قيد الحياة. رأيتُ في النوم امرأةً تشبه النجاة، لكنني ما رأيتُ حقاً سوى شَعرها الأزرقِ الكسير. ورأيتُ أنني أقيمُ في منزل غرباءَ بحقيبة ليس فيها سوى مشطٍ بأسنانٍ لبنية. وكنتُ لا آكل شيئاً ولا أسمع موسيقى. وكنتُ أبحث بلا سببٍ عن حرف الكاف طيلة الوقت. وكنتُ حين أشعر بجسدي يختفي أفتح الحقيبة تحت الحوض وأمشط شعري بذعر خنزيرٍ بريّ. وحين استيقظتُ كانت ليمونةُ على فمي وكانت في عيني ريشةٌ من جناح غراب. يا إصبعي يا مختصر الشؤم والأخطاء. يا يدي يا مقص خِياطةٍ في حلق الحصان. أنا النقطة التي تشرب الكون، والدلفين الذي يخلط بين القفز والنسيان. أنا النهر الأبيض الذي يطلي أظافره بالطمي والقهوة ويواصل الغثيان. 

الأحد، 19 فبراير 2017

السفن







 قوارب الصيد قبل الظباء. 
أحواض بناء السفن قبل الأشجار.  
يلائمني البحر أكثر من الغابة، 
وتعجبني السفن أكثر من الفتيات.
 أكثر حتى من الخيول على الماء
تركض بالفتيات.

الخيول لا بأس بها. لكن نصف أحزان العالم في عيون الخيول.
لا أعرف كيف حصل هذا لكنه شيء واضح. أوضح حتى من قلادة حبيبتي التي ورثتها عن أمها عن جدتها الناصعة البياض من إقليم لا أحد يحفظ اسمه في القوقاز. 
كلنا نعرف أن القتلة والنبلاء استخدموا الخيول ليصبحوا قتلة ونبلاء. ولهذا تبكي الخيول حين تكون وحدها في الليل. وحدها الخيول شاهدت كل شيء.

السفن جيدة لأنها لا تتذكر، وليس لها قنوات دمع. 

 تعجبني السفن أكثر من الخيول ومن القطارات. ففي القطارات ملل الوضوح وأنين الثمالى تحت الأرض. أما السفن فقد هذبتها الوداعات.

 السفن لديها القدرة على أن تميل دون أن تقع في الحب.  السفن تسكر بحالها، حتى وهي خالية من الناس. السفن جميلةٌ دائماً وفي كل مكان، وخصوصاً حين لا تصل لمكان. يكفي أن تكون هناك سفينةٌ حتى لا تكون هناك صحراء. مبللةً في البحر أو مجسمةً في ميدان تقول السفن نفس المواويل. 

ولو نظرنا من السماء فإنه يمكن العثور على عشبة الخلود في تحية سفينتين لبعضهما في عرض المحيط. ويمكن رؤية الخوف الأول على هيئة خاتمٍ في سفن القراصنة الغارقة في بحر الصومال. قصة الخلق واضحةٌ في سفن النقل الضخمة الكابية وأعلامها المضللة لشياطين البحر وسلطات الميناء. الحنان الزائف في سفن الصيادين. أما سفن الأثرياء البيضاء التي تنام في المارينا ولا تصنع شيئاً طيلة العام فتظهر العدم الأنيق للحياة. الكثير من الحكايات دائماً بالكثير من اللامبالاة.

السفن صديقةٌ لأنها لا تتذكر شيئاً ولا تحتفظ بعيون أحد. رغم أنها يمكن أن تحمل على سطحها حزن الخيول، خيبة الفتيات فوق الخيول، ذعر الظباء الراسخ، وفشلي في بناء النهايات.


السبت، 18 فبراير 2017

عدم العثور





 عدم العثور على الخلاء. عدم العثور على الطفل. عدم العثور على آثار. عدم العثور على المرأة التي تظهر في كل الشبكات. عدم العثور على صك تملك الصحراء. عدم العثور على قبر الأب بعد السيل. عدم العثور على صلصة الغواكامولي. عدم العثور على الكاتب الميت في غرفته. عدم العثور على الأغنية في غيمة الصوت. عدم العثور على مفتاح زجاجة البيرة. عدم العثور على القُبلة.عدم العثور على القِبلة. عدم العثور على أثر سجود. عدم العثور على نجار. عدم العثور على محطة وقود. عدم العثور على ورق التواليت. عدم العثور على القميص الأثير. عدم العثور على الموبايل في حقيبة البنت. عدم العثور على سيارة أجرة في الأطراف. عدم العثور على تذكرة. عدم العثور على جورب. عدم العثور على إبرة لنزع شريحة الموبايل. عدم العثور على النظارة. عدم العثور على المحفظة. عدم العثور على الضحكة. عدم العثور على زجاجة الحليب عند الباب. عدم العثور على مقعد. عدم العثور على السيارة في الموقف متعدد الأدوار. عدم العثور على الحلاق القديم. عدم العثور على مصففة الشعر الوحيدة في الكون. عدم العثور على طريقة لفك تشابك سلسال البنت وتكتل الفريق البغيض. عدم العثور على الفرشاة. عدم العثور على القهوة. عدم العثور على المفتاح أمام الباب. عدم العثور على المفتاح خلف الباب. عدم العثور على أحد يطرق الباب. عدم العثور على العنوان. عدم العثور على موبايل البنت الجميلة المختفية منذ خمسة وعشرين عاماً (هل ما زالت جميلة؟ لم يكن لديها في الأصل موبايل ). عدم العثور على طريقة لتربية الأولاد. عدم العثور على مدرسة جيدة. عدم العثور على قبول. عدم العثور على وظيفة. عدم العثور على ستارة مناسبة. عدم العثور على الولاعة. عدم العثور على مكانٍ للتدخين. عدم العثور على طاولة. عدم العثور على سرير في المستشفى. عدم العثور على اسم شخص ما. عدم العثور على تفسير للأحلام. عدم العثور على أحلام. عدم العثور على قصيدة في ديوان. عدم العثور على نعناع في حافلة النعناع. عدم العثور على سكّر في السكرية الأنيقة. عدم العثور على النسخة الكاملة من الفيلم. عدم العثور على النسخة المترجمة. عدم العثور على الريموت. عدم العثور على الرقم السري لكل شيء. عدم العثور على دمعة في البيت. عدم العثور على متبرع. عدم العثور على الرجل الملعون الذي يبيع. عدم العثور على بطاقة الدخول للمبنى الغبي. عدم العثور على مقاول. عدم العثور على سائق. عدم العثور على خادمة. عدم العثور على طريق الخروج من موقف الأدوار المتعددة. عدم العثور على زر إزالة الغيوم من زجاج السيارة. عدم العثور على ناجين. عدم العثور على الطريق. عدم العثور على الضياع. عدم العثور على الحانات. عدم العثور على معبد. عدم العثور على الشهادات. عدم العثور على القناة. عدم العثور على الشبكة. عدم العثور على زبدة. عدم العثور على قنينة ماء من نوع ما. عدم العثور على امرأة من برج القوس. عدم العثور على طبيب أسنان جيد. عدم العثور على موقف عند عيادة طبيب الأسنان . عدم العثور على ابتسامة الفينير. عدم العثور على البحر في برشلونة. عدم العثور على الطقم، أي طقم. عدم العثور على الصباح، أو على أحدٍ في الصباح. عدم العثور على قرض. عدم العثور على منحة، أي منحة. عدم العثور على المسئول. عدم العثور على الحكمة، أو المنديل. عدم العثور على الألغام ومفقودي الحرب. عدم العثور على خطة للسلام. عدم العثور على ال Bra. عدم العثور على صديقٍ يعتني بالقطط وقت السفر. عدم العثور على مفتاح الضوء. عدم العثور على أحد في جميع الغرف. عدم العثور على أحد في الحمامات السبعة. عدم العثور على قصة يمكن تصديقها، أو قصةٍ يصعب تصديقها.  عدم العثور. الذي نسميه (الحياة). 

الجمعة، 28 أكتوبر 2016

نصوص







سمعة الكائنات

لديه سببٌ واحدٌ يجرّ به الأيام: سمعة الكائنات.

 يصحو كي لا تتأخر الطائرات. يصلّي كي لا يضيع الخرز. يسكنُ كي لا يهرم الطلاء. يفتحُ كي لا يتسخ المقبض. يطحنُ كي لا تُهجرَ الركوة. يطلّ كي لا تصدأ الشبابيك. يقسو كي لا يصرخ الأطفال في متحف الفن. ويغضبُ كي يتوفر التبغ والبروزاك. 

يسهرُ كي لا تدخل الجلطة للبيت. يهيمُ كي لا تضيع دمية البنت، ويصلُ كي تنبح الكلاب في وجه الغريب.  

يفتح عينه كل يومٍ كل يومٍ كي لا تمرض عاملة الكواء. كي لا ينزل سعر الصرف. كي تحصل السناجب على اللوز قبل الغروب. ويصل الأولاد قبل الأجراس. 
وينظرُ ينظرُ كي تبدو الملاعق براقةً، والكؤوس خلواً من الناس. 

يهرمُ كي يحافظ الطبيب في روايةٍ قديمةٍ على وحدته، وتستمر فتاة البيانو في العزف حتى الموت.

 يعيشُ كي يحضر البستانيّ في نيسان، وبائع الحليب في الخامسة، وشاحنة القمامة نهاية الأسبوع . وجثته بلا أخطاء. 

*****************

عودوا أكملوا الأخطاء



عودوا أكملوا الأخطاء، ولا تتركوا أخطاء ناقصةً بين السماء والأرض. 
عودوا. أكملوا الفرجة الخاسرة، والأرجيلة الثقيلة، والزوج البشع، والكحول الرديء، والسهرة المملة، والوظيفة الفارغة، والأغنية الصاخبة، والصلاة السريعة، والقهوة الباردة، والرواية الباهتة، والحضن البائت، والأصدقاء الميتين.

عودوا قدموا، ولو لمرةٍ، شيئاً كاملاً للملاك، بدلاً من وقوفكم بقية العمر كالطلاء القديم، شبه منتصرين. 


*****************

رسم الهواء


لو أنني غصنٌ يميل عليك 
وأنتِ ترسمين الهواء.

لو أنني أزيح الصحارى ليجلسَ النرد، و أكنس النوم كي أرى يدي لدى الباب. 

لو أن الموت ليس فضيحةً والموسيقى ليست مشياً في النوم. 
لو أن الحقائب أقل من العيون، والأيامَ لا تعلو على الحاجب. 
لو أن القارب في الخزانة، والنافذة في الجيب، والمديةَ في الظهر، والفقر في المرآب، والعماء في القهوة، والطريقَ يظهر فجأةً

 في حذائكِ الصغير. 


*****************

 بلا اسم



يشبهك الشارع الملاصق للمحطة. 
الشارع المسمى (الشارع الذي بلا اسم). 
The street with no name

يعبرك المسافرون 
ويلتقي على كتفيك العشاق. 
ورغم كل القبلات والدموع والسجائر التي تراق عليك، 

تبقين بلا اسم. 



الخميس، 16 يونيو 2016

ليس حزناً ولا قصة








كلما حلمتُ بك، رنّ جرس الباب. ثم أرى كل الأحذية التي مشيتِ بها في العمر، ولا أرى يد الباب.


ولأنني أستمر في سقاية النبتة الميتة، وتبخير غرفة البنت التي لا تصحو، والصلاة طويلاً دون وضوء، بتّ أفهم الحياة التي تستمر بشكل أفقيٍ تحت الأرض، والحروب الطويلة الصالحة للاستخدام مدى الحياة، والرماديّ في تنانير الراهبات. 

أنا أعرف الحزن. 
وهذا الذي يحدث الآن ليس حزناً ولا بحيرةً في صحراء. ليس قصةً ولا نهراً ملوثاً في طريقه إلى البحر.
 الذي بيننا زهرة الموت، والموت ليس حريقاً عابراً ولا معاش تقاعد.
 ربما نزهةٌ أبدية بلا رفقةٍ، وأجسادٌ جميلةٌ تفقد النسيان.

ما بيننا إلهٌ قضى لكنه يظلّ أبانا الذي لا يموت. مضينا لم ننسحب من يد الباب، ولم نتأخر لحظةً عن عض الوقت أمام إلهٍ لم يعد قادراً على العفو. وكنا نقول لا أحد ينسحب من إله، فالآلهة خالدة حتى لو قررت أن تموت.
 لكن دعني أقول أيها الصديق الذي لا أثر له، إنني محبوسٌ في قدّاحة شخصٍ ميت، وأشتهي سيجارته. دعني أقول بلا احترامٍ للغد: لا أحد يخلع إلهاً أو طفلاً فارقته الحياة.

الطفل الذي جمعنا في حصّالته مات. ونحن الآن في حصالته: عملتان تنظران كل يومٍ إلى بعضهما في الظلام. 
وكل ما نفعله أننا نتعود شيئاً فشيئاً على الخوف. وشيئاً فشيئاً نفهم الخوف ونحتمي به ونأكل مما يترك. 

يا صديقي الذي فارقته الصلاة: حتى القتلة يصلّون، ولا شيء لا شيء قاتلاً مثل صلاة القتلة. 



 ليس حزناً ولا قصة. 
ربما عُملتان تنظران إلى بعضهما في الظلام.
لن تقرأ لي. لن أقرأ لك. لن يقرئنا الذين كتبنا لهم. 
ولا الآلهة التي تقص عليك القَصص تقرأ الروايات. 

الثلاثاء، 17 مايو 2016

ستارة







لي أبٌ يكره الشعر ثم يحبسني في الدواوين
يخلق غجراً من صلبي
ثم يعّيرني بألوانهم النحاسية
وقلوبهم الفظيعة المحتالة الرثة 

 يوصيني  بالمريميةِ والزيت
بينما يجعل من رؤوس أطفالي زهوراً حجريةً

 على شرفات القصور.

ثم أبي يسألني.. من أين لي غلظة السيّاح والنسيان؟ 

نحن جارحون نسّاؤون لأننا بكَ مصقولون
والآباءَ أنتَ خلقتَهم جارحين. 

نحن خبزٌ صعبٌ 

لأن الخبّاز كان غاضباً ونحن بين أصابعه
فظللنا نرتكب الكثير من الحماقات

ونتفاجأ كل مرة بقدوم الصيف


بالأمسِ قتلتُ طيراً

ثم ما استطعتُ أن أخيط  فاه
صارت صرخته نبعاً
ونظرته ياقوتة

في ثوب طفلةٍ عمياء.

وظللتُ أحلمُ كل ليلةٍ كل الأحلام التي كتبها الرب على الناس. كلُ الأموات في مقبرة البلدية اشتاقوا لي في لحظةٍ واحدة، تعطروا جميعاً في ليلةٍ واحدةٍ كي أتذكرهم، وأزورهم.وكانت غرفتي في الصباح تختنق بالعطور وأشواق موتى الرياض. 

هذا يحدث لأن أبي يصمم كل شيء.
 وقسوة قلبي ليست من تصميم سواه. 
هذا يحدث لأنه كان يطعمني رؤوس العصافير
وقلبي صار مكباً للأغنيات

هذا يحدثُ لأنني أنام منذ سنين في غرفةٍ عارية

 شبّاكها غير محمي من الصباحات 

ولستُ الآن قادراً على أن أكون مهذباً وأنا، منذ عقود، أول من يركله الصباح  

لستُ أخاً لأحد

ولن أعرف أحداً

وأنا بلا ستارةٍ
يا الله.

الجمعة، 22 أبريل 2016

خيزرانٌ ميتٌ يشربُ الماء





..............

ثم  من يدها
بعد أن صافحته:
 سقطتْ حمامةٌ ميتة.


*******




يشبهكَ الخيزران
أيها الشاعر
ينسون سقايته سنواتٍ
ويستمر بعد موته
 يشرب الماء



*******



شخصٌ ميتٌ قال: (عوّلنا على المفاتيحِ ولم نصل.
من المتأخر جداً أن نعوّل الآن على اللا مفاتيح).

كانت المفاتيح في المدينة المغلقة أكثر من الخَلق 
وبالرغم من أعدادها ظلّتْ عاجزة عن فعل شيء
حتى تبدو السماء ضيقةً  كلما رأيت محل مفاتيح

ترى ماذا بعد أن يغلق المفاتيحيّ باب دكانه، وتغرق المفاتيح في الليل..
ماذا تقول المفاتيح الجديدة الخائفة، والتي بعدُ لم تكبّلها البيوت؟


*******



عجوزٌ  أمام الكاتدرائية.
عجوز بجهاز تسجيل قديمٍ وضخم في ساحة سانت بول.
عجوزٌ يضرب البلاطات بعصاه
يحمل مسجلته كدلوٍ  ويرش الساحة بموسيقى الستينات.

الحَمامُ في الساحة لم يطر ذلك الصباح.  
بدا ثابتاً على الأرض كقدامى المحاربين.
بدا غير عابيءٍ ببقايا الخبز وغير خائفٍ من ملاحقات الأطفال.
كان الأعمى السكران يسقي الأرض بموسيقاه.  
وفي عيون الحَمام قامَ بستان ورد. 

*******



 الرسام الذي فقد ذاكرته في حادث سير، لا يتذكر نفسه ولا اسمه إلا حين ينهي لوحة على الأسفلت.كان يرسم لوحةً يعلم أنه لن يستطيع حملها ولا بيعها لكنه يستمر بالرسم على الأرض.حين يصفق الناس للمرأة الجميلة التي تخرج أخيراً من أنامله، يلتمع اسمه كبرق. وحين يبلل المطر اللوحة، وتختفي المرأة، يتذكر اسمهُ لوهلةٍ، حين يسيل اسمهُ على الأسفلت. 

*******



على مشارف فمك الطفل
يستوقفني العالم.
ذاك العالم السهل الذي يخرج من فمك ، حين تنطقين بسلاسةٍ ودون لكنةٍ أصعبَ الكلمات: world 

على مشارف فمكِ أفهم أن العالم يكتمل بسرعةٍ 
وبسرعةٍ يتلاشى في الهواء
وأن موهبة (العالَم)
تولدُ مع المرء. 


*******



المكتبة بعد وفاتنا مكانٌ صالحٌ للمشي.
أناسٌ لم يكونوا على البال تزدحم بهم مكتباتنا بعد الموت.
على رؤوس أناملهم في الليل يجيئون.
كل نفسٍ تزور بعد الموت كي تكتب سطراً لم تصله في الحياة .
وكل امرأةٍ تطرقُ بابنا بعد الوفاة تكتب توقيعاً أو لعنة.

ثمة امرأة واحدة فقط تزور ولا تكتب. تقضي اليوم كله في تنظيف الكتب من الأحبار. ثم بهدوءٍ خلفها تغلق الباب.


الجمعة، 1 أبريل 2016

صوفا






كنا نسقط منتصف الليل.
نهوي مع سعال القلب، ثم يلفظنا السرير.

نُرفضُ في كل ليل. مثل تبغٍ تكنسه الأهداب الخربة، لقصبة مدخنٍ في السبعين. 

 لقد أوقعوا بيننا وبين الأحلام.
 تقدم بنا الخوف، وأفسدت سيقاننا موسيقى الغجر ورقصة العنكبوت وأغنيات الريف.


كبرنا في بئرٍ وظننا السرير ورماً، والحجرة ظنت في بطنها  نبياً هارباً من رسالته يدفعها للغثيان.

وبعد أن ألقى بنا التخت للأرض لم نعد نأمن الأشجار أو نصدّق الأطفال.
لم نعد نصدّق الأموات أو نثق بدماثة الأقطان.

كنا ظلماتِ السرير ثم لم يعد يعرفنا السرير.
أظلمنا كثيراً. 
أظلمنا ولم يفهم سواد قلوبنا سوى الصوفا ومقاعد الطائرات. 

ولما لم يمكن العيش في الطائرات تدبرنا أمر الحياة بالصوفا،  وردمنا في جوفها أعقاب  الأيام الحلوة ودسائس المقربين.

لم نكن في الصوفا بحاجةٍ للوضوح  كي يُسمح لنا بالعبور، أو بحاجة للبأس كي نعدو بخيولنا العمياء.

كنا نسقط في نقوش الصوفا بهدوء الحِملان، تُخطئنا رماح الأصدقاء، ونجد أنفسنا بكامل أقدامنا في الصباح.

كانت الصوفا طريقتنا في الشرح.

لم نكن بحاجة الحب كي نكره المزيد من الهوايات

 أو بحاجة الأم كي نخفي الأخطاء.