الاثنين، 23 أغسطس 2021

أتركُ البيت

 




أتركُ البيتَ من أجل البيت. 

لأن البيت يحتاج إلى بيت.

 لأنه مزدحمٌ بي ويحتاج إلى الهواء. 

 يحتاج أن يجلي أهله أحياناً كي يعود إلى نفسه ويصلب طوله من جديد.

 

‏كأن علينا أن نترك مسافةً بيننا وبين البيوت. 

شيئاً من البعد والهواء كي لا يصيب الملل هذه الزيجة الطويلة البيضاء. 

‏كأن البيت يحتاج إلى كهف يبكي فيه مثلما يبكي الرجال حين يسافرون وحين يعودون.

للبيوت عادات مثل أهلها.

وربما عادات يخجل البيت من ظهورها أثناء وجودنا فيه. 


لأن البيت روح. والروح لها عادات لا علاج لها.

 لأن البيت أبٌ غامض أيضاً، 

وله أسرار يبوح بها للشمس والظلال، يخفيها لفافات من الهباء في زواياه. 

لأنه ربما كانت للبيت طرق سرية في التنفس والتدخين، 

وربما لا يريد أن يدخن أمامي بدافع خجل أبوي. 

 أيظن نفسه قدوتي؟ يخجل من طفولته التي تظهر مع تقدمه في العمر؟

كأن للبيت حاجات لا يفهمها المقيمون فيه، ويحتاج حينها أن يكون وحده بلا عابرين. 

كأن يكون على علاقةٍ غير مرئية بمبنى مقابل أو بكائنات ما فوق الفيزياء؟ 

هو البيت. ليس جسماً أو موجة. ليس حلم أحد. حلم نفسه ربما.

وللبيت حواس، أقول، وله حاجة إلى الضحك والغضب والدمع والازدهار. 

ربما يريد هو أيضاً أن يبكي طفولته، مفقوداته، وأسلافه، ويمنعه وجودي فيه من البكاء.

خروجي من البيت ضرورة للبيت.

 

والمكث في المقهى طيلة الوقت ليس ترفاً، بل هو من أجل سلامة البيت

 

 فحين أخرج  يرتب البيت نفسه من جديد، 

يعدل من أخطاء الوقت والتناسخ والملل والتكرار كي



 لا



 ينهار.

 

 

‏وأفكر أن الوحدة فكرة أنانية تقتل البيت. 

أن الوجود الطويل لشخص وحيد داخل بيته سوء هضم وسوء فهم للحريات. 

 

أحس أحياناً  أنني وجبة هذا البيت التي اختطفها وهو مخمور 

من مطعم صيني شبه مضاء في شارع فرعي

 وأفسدت قلبه ومعدته ولياليه.

 

‏كأنني ألم معدة البيت. كأنني شعوره بالتخمة والغثيان. 

أشعر أن جسدي سالمونيلا البيت. 

أن روحي فكرة سامة تقتل البيت ببرود.

 أن انبعاثات سامة تتطاير من جلدي وأدمغتي قد تقتل البيت في أية لحظة

 حين أبقى أياماً دون أن أخرج على الإطلاق.

 


‏كأنني نفاية البيت.

 

صحيحٌ أن البيت يتنفس حين أخرج القمامة منتصف الليل، وحين أستحم، أقلم أظفاري، أتخلص من أذاي.

 لكنني بشكل ما، مع الوقت، ربما بسبب سوء الصدر ونوبات الغضب

والإفلاس أول الشهر،

 أصبحُ نفاية البيت. 

كأنني حين أخرج منه يتنفس البيت. 

لذا أخرج على عجل، أحياناً، كي يلتئم عظم البيت. 

أنام عند صديق أو في سيارتي في الخلاء كي لا يتسمم البيت ويموت.

 

‏أترك البيت

كي لا يموت البيت

 

حتى لا أفقد آخر شيء 

يسمح لي بالرجوع إليه.

 


الجمعة، 9 يوليو 2021

الأجداد

 






كانت لديكم أسباب وجيهةٌ للنهوض
وأوقاتٌ شحيحة لليأس.

بقلبي فقط 
أعرف هذا 
 مراراً 
شاهدتكم
تعبرون دمعتي الأخيرة
رغم أنني لم أقابلكم من قبل.

فارقتم البيت
قبل أن أشاهد عيونكم النافذة
أو ألمس أيديكم المكدسة بالعروق.

أحببتكم أكثر مما تظنون
يا من تجهلون التعب العريق
في ألا يبصر المرء أبداً
عيون الجد

شدتني الضحكات اللامعة في عيونكم
ولطالما حلمتُ بكم
تدقون قهوتكم في الفجر
تعجنون خبزكم على الجمر
تنكثون عتيق التمر
وتطلقون حكمتكم وهيلكم في السكك والصحراء.

عشتُ حياتي مبهوراً بسواعدكم العارية
وشعوركم الطويلة
ولحاكم الخشنة الحمراء.


أشتاقكم
رغم أنه لا توجد صورة واحدة لكم
وبكيتكم فجأةً في منتصف الليل
رغم أننا لم نلتق على الإطلاق.

تخيلتُ حصانك المتعب من الحرب
يا جدي لأبي.

تخيلتُ عيونك التي أبصرت اللؤلؤ في الغوص
يا جدي لأمي.

سمعتُ كثيراً من أبي
عن صدر أبيه المفتوح
لأنه عاش العمر
لا يزرر ثوبه الوحيد
..كم ناراً وكم جوعاً وكم صخرةً شققت ذاك الصدر؟

وسمعتُ من أمي
عن عنق أبيها اللافت الطويل
.. هل طالت عنقه لأنه بقي كثيراً في البحر؟
.. كم قمراً وكم ناراً وكم نجمةً وسمت عنقك يا جد؟

لا أعرف يا رب
لكن كيف يكون من المقبول
أن يعيش المرء حياة طويلةً
هكذا
دون أن يبصر حكايةً
تخرج من فم الجد؟!

كيف يمكن أن يكون المرء
مرئياً
وكل ما يعرفه عن هيئة الجد
يخص أجداداً
متخيلين؟

كيف يمكن أن يظل المرء حياً

دون أن يسمع
ولو لمرةٍ 
في الصباح
صوت الجد؟!






الثلاثاء، 6 يوليو 2021

قوسٌ أخير

  





فوق جسرٍ حجري

 تدويّ القطارات

 وأسفلَ قوسٍ في السكة 

يهتز دائماً

مقهى صغير.


مقهى هو القوس والهواء

لأنه

 لا يمكن وضع القهوة بين قوسين.


 يجلس العابر في المقهى

 مسقوفاً برعشة القطارات 

التي تصل منذ قرنين.


عربةً عربة

 يحدث الارتطام 

قطاراً قطاراً 

على سقف البار والمحمصة

يهبط ثقل المعادن والصوت

مثلما يحدث الحب والانتشاء


هذا الهدوء المسلول

في عمق هذا الضجيج.


يا له من مكان صالح للنوم والفَناء

غرفةٌ رائعة ليموت المرء

دون أن يفقد حلوى الأصوات: 

الأسى هنا يطير مع سكاكر الحَمص. 

الموسيقى تغطي نفسها بالدخان 

وفرقعات البن

فرقعةً

فرقعة.

صوت الطواحين

 يخفيه ارتطام العجلات بالسقف. 

النميمة الخفيفة تختبيء

خلف هسيس التبخير.

وقعقعة الفناجين  

تذوب في القوام النحيل للحليب.


 يجهّزُ النادل جرعة الموت 

بخفة القناصة المدربين.

جرعةٌ وابتسامة،

ومارلين مونرو 

تبدو متخففةً هانئة

في الإطار الخشبي الرخيص.


حيرة الصيف تنسرب 

مع المزاريب

وسكرةِ القهوات

 في القوس الأثير.


 الأهوال القديمة للناس

 تضمرُ

 مع تماسك القرميد.


 والدموع القديمة للزبائن

 ترتفع سعيدةً 

 من قدحٍ

  تهزّهُ القطارات.

الأربعاء، 30 يونيو 2021

خجل








ولدتُ في الليل من رغوة الأشجار المقطوعة للتو.


 لكني لم أصر صمغاً  أو بخوراً 

بل جذعاً يتساقط منه الكلام.


و‏ أخجل الآن من فمي، لأنه محض نيزكٍ قديم.

من عيني  أخجل، لأنني تركتها تختفي ببطء وأنا أراقب الغروب.

من ركبتي لأنني  أسوقها كل صباح  إلى جبلٍ يخلو من الأطفال.

 من رأسي لأنه مليء بالمسامير. 

من الأصدقاء لأنني أقتل واحداً منهم كل يوم. 

من العنب كلما أينع لأنني ردمتُ القبو. 

وأخجل من الكلمات

 لأنني لم أتمكن يوماً من إعادتها إلى الغصن.

الخميس، 24 يونيو 2021

مائدة



 النجوم مائدة والهواء عابر سبيل. يجلسان معاً دون شهوة للكلام. ربما يشعران بحاجة أبدية للصمت، قلقين بشأن من يخرجون في آخر العمر للنور. النجوم مائدةٌ هذا الهواء، وهذا الهواء عيون من ماتوا وهم يقلقون. والنجوم هالاتٌ تحت عيون الجبال. دموعٌ تصعد من عيون الحيوانات. بلا مطرٍ تعشب في قفا الكون، مثلما ينبتُ شَعرٌ بلا معنىً في ظَهرِ الصبي الخجول. الهواء الذي يأخذ العمر حاول فهمَ ما يحدث في آخر العمر ، ولم يستطع دون أن يجلس إلى مائدة. يفكر الهواء في  البحر واللون والأبناء، ويظن النجومَ أوراق حظ، أو أنهنُ ساحراتٍ يُجدن القراءة ويسهرن على الزيت. يظنّ أنهن يلمحنَ تلويحة الانكسار. يحب الهواء وضع ذقنه على حافة الكأس. ينام من التفكير على مائدته. يسقط في البحر. ينتحر في ظلام المحيطات مثل حوتٍ في آخر العمر. وليس لدى النجمات شيء واحد يقلنه للهواء.

الثلاثاء، 15 يونيو 2021

بعيداً




بعيداً عن الأمل أفكر بالأمل. بعيداً عن الأزهار أفكر بالبطء. أنظر إلى الخارج بعيني قطٍ ينظر من نافذة المطبخ. أشرب بالفم من الصنبور كما يفعل القط. تهبط دمعة من الصنبور. أنسلّ من الوقت. يشدني خيط الأسنان على الطاولة. الخيط الذي أنساه مثلما أنسى نظرة القط والبطء والشمس. يشدني السنجاب الذي يعبر الشارع، داخلاً كنيسة القديس كوث بيرت، في يوم غير مخصص للاعتراف. أفكر بثلمة السياج التي هرب منها القط ودخلت منها كل النهارات. بالمرآب المزدحم بالمكانس والتعب. بشاحنة الجار التي تحجب المستقبل. بالحماسة المؤسفة للعروس التي تعدّل ذيل فستانها أمام الكنيسة. في ارتفاع مصراع متجر الجواهر وحانوت الأسنان. في مكتب الجنائز الملاصق لحانة القرد العجوز. في معنى المطر للقطط. في رائحة الزيت القادم من مطعم السمك الإنجليزي. في السخام المنبعث من معهد السرطان. في الصباح الذي ترتفع فيه أغنية لامبو أنلو فتسقط دمعة فوق لوح الشوكولا الداكنة. بالمشي ليلاً أمام قنفذٍ أسود يبزغ في باحة البيت. في ترك عظام الدجاجة للثعلب وبقايا الخبز للغربان. في الأسباب المرجحة لهرب القطط. هل القطط دموع البيت؟ تخرج منه بلا سبب واضح ولا تعود. أفكر في الصباح الذي لا بداية أو نهاية له. في تأثير الغراب الجالس فوق الهوائي على بقية اليوم. في الجار النزق الذي له هيئة الأمل. في الأمل كجار أصم يتشاجر مع أمه طيلة الليل. في البطء كحجر نرجم به النفس. في خمول الغازات النبيلة. في هدوء الأبواب المغلقة. في ذيل القط ككائن مستقل. في خلو الغصن من الأفكار. وكون الأغصان مجرد انتصارات عابرة.  أنا العدو الأكبر لي تقول الأغنية والقطط والأشجار والنقطة على السطر

وبعيداً عن الأرض، أفكر بضرر العشب على الأرض. بعيداً عن الزهور أشاهد الزهور تنبت في الخوذات المعلقة لرجال الإطفاء. بعيداً عن الأطفال أفكر في حمرة القرميد القديم. بعيداً عن الأيام أشاهد الهبوط المستمر للطائرات، وأطلق نظرةً بلا هدف صوب مداخن البيوت. 

الخميس، 13 مايو 2021

الصباح يدك التي نالها القصف

 
*** إلى إبراهيم الحسين***



 

الشمس التي تستلقي في الفناء لن تأخذ بيديك.

والصباح المرهف لن يرتق حاجبك.

لأن هذا الصباح هو يدك التي احترقتْ وأنت تحلم بالباب، وهو يدك التي احترقت وأنت تخبز الكتّان.

لأنه ليس شيئاً كاملاً يستطيع أن يمشي على رجليه، ويرفع الأنقاض، أو يثقب قربة الهواء.

 

الصباح ليس غياب أحد، بل هو الغياب.

وليس موت شخص تحبه، بل هو الموت.


الصباح أبيضٌ شفاف لأنه حياة محذوفة. لا ضغينة فيه ولا ذكرى. تقريرٌ خاطئ عن الليل، واللا شيء رسالته الطويلة.

فكر معي بالفرق بين وقوف الفراشة على أصفاد يديك، أو على مقبض الباب. ما الفرق؟

 

الصباح منديل أبيض وجرّافة وقبرٌ ومرآة.

وأنت في الصباح شخص يرفع المنديل، يحلق ذقنه، يدخل القبر، ولا يرى قلبه في المرآة.

 

ستفهم يوماً أن الصباح عادة سيئة. نمرٌ ضخمٌ يدخل البيتَ بلا هدف، حين لا أحد في البيت.

 

هذا الصباح لن يأخذ بيدك، لأنه يدك التي يغتابها الليل.

صباحٌ ليس إلا قفا الليل، وإصبعك الملفوفة بشاشٍ قديم. وهو الحليب الذي تخلّف في الضرع، حين امتلأت بالنجوم أيادي الرعاة.

هذا الصباح لن يأخذك إلى خشبة الميناء لأنه هو نفسه البحر الذي ابتلعك في النوم.

هذا الصباح ضوء فاسدُ 

وينزف


صباح ولن يأخذ بيدك

 لأنه يدك التي نالها القصف.


الثلاثاء، 13 أبريل 2021

أذن






الأذن التي كانت تذهب معك للدرس تذهب الآن معك للوظيفة والمحاكمات. تستمع معك للموسيقى في السيارة، وتغمرها المياه ورغوة الاستحمام قبل النوم. الأذن التي تحمل سماعة الهاتف الخلوي وأقراط السبوت لايت وخصل الشعر والسالفَ السعيد. الأذن التي تعلقين عليها النظارة والقناع والأمل والقنوط، ألا تتعب من كل هذه الأثقال والمحطات؟

وما الذي تفعله الأذن حين تغيبين ويأخذك النوم؟ تراها تنام مثلك أم تفكر بك؟ ألا تود هذه الفراشة الواقفة منذ عقود على صدغك أن تطير؟ ألا تشتاق للحقل والأشجار والموت السريع وصمت القطارات؟ هذه الليمونة التي يعصرها الله على أرواحك الخالية من الناس، ألا يتعبها السأم والاصفرار؟

أذنك التي تستقلين كسيارة أجرة صفراء في الهزيع لتذرع بك شوارع الليل. ألا تبلى عجلاتها من مسيرك اللانهائي في الموسيقى والليل؟

أذنكِ الدلو في بئر طبيعتك الصامتة. الدلو التي تسقي العابرين مفازة جلدك الذي يلتهم النظرات. التي تنقذنا من العطش وتترك لنا فسحةً للنوم على كتف الماء. ألا تتعب من البئر؟

أذنك وردة الحجر على نافذة القصر. تميل برأسها على الحفلات والرقص في الصالون، لكن لا يسعها الدخول إلى الفرح. أذنٌ تتوجس من الضحكات.
كأنها القلب الذي لا يستطيع دخول القلب، والليل الذي يعتم الليل.
كأن الأذن بطانة الروح. تحمي جلدك من خشونة السهرة وضوضاء الفساتين.

أفكر حين أقف أمام تلك الآذان المغمضة أن أذنيك أطفالٌ ينبتون خارج الرحم ويتدلون من تلك الشقوق في الرأس.
كأن أذنك الجنين في نومة الجنين التي تستمر سبعين عاماً في الهواء. الجنين الذي يرى كل شيء ويكتفي بتمرير الحكاية بين طيات جلده الأزلي. الجنين النائم حذاء عنقك الطويل. يظن نفسه الذئبَ حارس الكهف، وهو جنين في قالب الشمع. تظن الأذن أنها المكلفة بحراسة الجسد، وتسهر من أجل النائم طيلة الليل. وحين يستيقظ من ليله الداخلي تفتحُ الأذن الباب للحمائم والضوء.

لأن الأذن تاريخ كل شيء وتبتلع كل شيء. هي العقبة في الوصول إليك وهي السبيل إليك. وحين حدقنا طويلاً توهمنا أننا قرأناك في قرط أو قرطين. وما قرأنا سوى يومٍ أو يومين.
هذا لأن الأذن علامة وقف في كتاب الشخص. تتوقف فقط عند الصفحة المشعةٍ بالكلمات والتنهدات. لذا حين نرى شخصاً مع أذنيه نرى فقط صفحةً واحدةً من حياته.


تتدلى الأذن أو تنتصب أو حتى ترفرف. لكن العيون لا تستطيع اللحاق بحركة الأذن السريعة مثل جناح الطائر الطنان. فتبدو الأذن خطئاً ساكنةً في وضع الحياد. لكن أذنك أيضاً لها ذاكرة القطط والخيل. تحركين أذنك قليلاً إلى الأمام حين يعجبك الشيء، إلى الخلف حين تخافين، إلى الأفق حين تتعبين، وتنتصب حين يخذلك الأصدقاء.

أذنك التي لها رائحة الموج وشذى القطرة الأولى في الصباح. لها رغبةٌ شاسعة في الهرب من الوظيفة والاختفاء بلا هدفٍ تحت السرير.


أقلّب أذنك الهادئة في الصور الفوتوغرافية، وأكاد أسمع في داخلها صوت البحر وبأس المرجان ومشقة الفؤوس. أشم دهن العود والعنبر والبرغموت. أرى اندمال التعب والتخاريم والاهتزازات.

وحين يقترب الرائي من ظل أذنك تبدو له محارةً أو صدفةً بحرية على شاطئ أبيض عفيف ومهجور.


تدور أحاديث البحر، ترتطم أسراره بين أذنيك. يرى البصيرُ سمكةً حائرة بين أذنيك. سمكةً عالقةً فيك لا تستطيع الدخول أو الخروج. ويرى دودة الموسيقى بمؤخرتها المتوهجة تخرج من أذنك اليسرى تدلّي قرونها بين خصلات شعرك في الليل. يرى الأذنَ اليمنى ثمرةً ينقرها الغريب فيضيء. ويرى داخل خطوطها رجلاً يحمل على كتفيه قبة السماء.


وأفكر ماذا سيحل بهذه الكائنات وتلك السماء حين تنتهي الأسئلة ولا تستيقظين في نهارٍ حزين.

 

الجمعة، 29 يناير 2021

راحة اليد

 




اليد تحت الخدّ في النوم. منذ انتفاخ بطن الأم وانتشار الليل. اليد قبل أن نرى الإبرة والريش. تلتصق بخد النائم مثل أم تجسّ جبين ابنتها التي لا تأكل ولا تود الحديث عن الأيام. الجلد على الجلد. عظمة الخد تلتصق بعظام الراحة. الالتصاق بين غريبين يحترقان كل ليلة في البحر. اللفافة اللحمية التي تكون مشطاً أو راحةً لليد والأشياء. يسمونها راحةً وهي تعب اليد. هي الوسادة القديمة التي تُغسل دون جدوى بالصابون. هي الرحى التي تدقّ سنابلَ الصمت فيفيض فوق الوسادة الطحين والزجاج. راحةٌ تخبز العجين الفائض عن حاجة اللمس. راحة الأكاذيب والأطفال. راحة الرأس المتوج بالهول. لأن الرأس يظن الكف قمراً فيستذئب ويصب فوقها العواء والنشيج. هي التي كانت راحة المؤذن في الوادي وممسحة التعب والمساءات. يسمونها مشط اليد بلا سبب واضح. مشطٌ بلا ذخيرة ولا حول. مشطٌ من عظام وعلٍ وعظاءات. وفي مساء دبقٍ يحدث أن تسهو راحة اليد فتنقلب على بطنها وتعطي الرأس ظهرها الأليم. تنهش الأشاجعً العارية حينها وردةَ الخد. تنسف بعروقها الغليظة ووشومها مرفأ النوم. لذا تفيء الرؤوس الحبيسة إلى باطن اليد. تؤوب الخصل الرمادية إلى الرحم القديم. حَملٌ بطول الحياة، لا يستطيع فيه الرأس أن يولد أو يموت. يعرف الدماغ أنه يتعذب مثل لؤلؤة لزجة، ويظن راحة اليد محارته. والراحة منذ ولادتها تظن نفسها أماً بلا عينين. تظل تبحث وتفتش عن رائحة ولدها الكهل. تعتقد الراحة أخيراً أنها والدة الرأس المقطوع. الرأس الذي لم يعد أحد يتحدث إليه.


تلملم شعثه. أحياناً تصير قبره إذا كان هذا يسعده. تبتلعه مثل حوتٍ لطيف. تصير قبوه الذي تختمر فيه أعناب اللامبالاة. تصير راعياً أضاع أغنامه في فلاة، فأخذ قصبةً وبدأ بالحداء. تصيرُ بئره الجافة التي لا يمر بها أحد. تهدمه وتعجنه من جديد كل مساء مثل نحّاتٍ فقد عينيه. تعجنه كل مساء بينما هو في النوم والحلم والجفاف. تهتم بشأنه مثل طفل ينحت قزماً في الليل، وينتظر أن يمشي في الصباح. يصير الرأس صنيعة اليد. وينقلب أحياناً عجينةٌ غاضبة تلتهم راحة اليد. لأن الغضب خميرة تتسلل في النوم، وتفسد خطوط الصباح. 

تتعب كثيراً من أجل الرأس. راحة هذا الرأس المقطوع، تقف مثل مانعة صواعق، وتبكي كثيراً في الأعماق. تلتقط صوراً كثيرة للرأس في النوم. تفسر أحلامه وبروقه، وتطبع قبلةَ على الخد. وحين تمطر طويلاً ذات يوم، تشدها رائحة الطين. تعود سمكةً وتتبعُ مجرى الأنهار. 

الجمعة، 11 سبتمبر 2020

الليل

 




تأتي الحقيقة في الليل لأنها الليل.

يعمل الليل بطرقٍ لا سبيل لفهمها. يرتجل أداءه كل يوم. يلف جبيرته السوداء كي يليّل المخلوقات. يستعمل أسماء لا حصر لها تتيح له تغيير جنسه وتجديد ضحاياه. 

نحن لا ننام في الليل. يناومنا الليل، وينجب منا قطعاً صغيرةً مظلمةً كل مساء، يطيل بها سواده الجريح. وكلما وُلدَ فينا ولدٌ يبكي طالت رموش الليل. كأننا كحل هذا الزمان القديم.

والذي نعرف عن الليل هو الليل. لكن الليل شخصٌ كتومٌ لا يذيع أسباب حزنه القديم. عاش حياته جائلاً بين خطوط الساهرين، متنكراً كالغجر، تائهاً كالألواح. فصار لكل ناسٍ ليلهم، لكل لسانٍ أسلوبه في تسمية الرمل، ورجم الوضوح.

في البدء كان الليل، ثم قال الرب (ليكن نورٌ). وهكذا لا يجيء الليل، لأن الليل موجود قبل مجيء الكلام. 

كلامٌ لا مستقبَل له هو الليل. وهو الملك الذي يبحث عن ملكه الضائع كل يوم.

 

( ل ي ل ) هو صوت الليل الأول، لأن آلهة النهر ورعاة الثأر كانوا يحتاجون إلى كلمةٍ قابلة للثني والإنشاد.

 ل ي ل: كان اختياراً ذكياً كي تتمرن الياء بين أنشوطتين، والشعراء بين سريرين.

احتاج اليائسون الأوائل إلى ثلاثةِ أوتار ٍكي يخترعوا أغنية الليل. 

ل ي ل .... اسم الليل الأول الذي ابتكر مواويل الندم، وشق بطون الصحراء : يدّعي الإنسان شيئاً لا يملكه، فيناديه رغم أنه ليس له: "يا ليلي يا ليل". 

 

حين تاه اليهود سموا الليل (ليلى)، أما الرعاة فاكتفوا بالجمل الفحل (ليل)، تاركين (ليلى) للنسخة الأشد ظلاماً من التهجد والخمر. وهكذا في ليلة ليلاء فقد الشعراء طريقهم إلى البيت. 

أفكر في الأصوات الرديئة التي سكّتها أوروبا لليل.

 أسماء هجينةٌ لا تليق بانبساط الليل. حروفٌ لا تصلح للغناء والترحال: نوكس/ إنوي / نوتّي/ ناخت/ نوتشس/نوتش / نات/ نوت/ نايت : أسماء الليل الشقراء التي لا تصلح للحداء، أو فرد عجينة القلب. 

 

لا أفهم مثلاً قبائل الجرمان التي سمّتْ الليل (ناخت)!

الخاء في الليل حبلٌ أجشٌ يخنق الليل . شيء يشبه سحبَ سنديانةٍ من غابةٍ سوداء، وسحلها على الأسفلت. 

 بالغت فرنسا في التأنث وهي تطلق على الوحش الأزرق اسمَ صبيةٍ بتنورةٍ فوق الركبتين: (نوي)! 

 المحارب الصليبي الذي يقطر النبيذ من لحيته ينادونه (إن وي)! كما يصفّر عصفور عابرُ أول الصبح! 

دانتي حاول في شتاته أن يمنح روما ليلها الخاص، فسمى الليل nutti!

اسمٌ يشبه قفزةَ فرحٍ أو اسمَ راقصةٍ لعوب. أعطى دانتي الليلَ اسماً بحجم عنكبوتٍ شقي لا يستطيع تجاوز الدور الأول من الجحيم:نوتّي. 

في القارة الزرقاء شاءت الألسنُ أن يصبح الليل أنثى، مثلما أسبغت أنوثةً على القمر الحزين. اجتمعت أنوثة القمر بأنوثة الليل فكانت النتيجة أنوثةً مبالغاً فيها قتلت الإثارة، ورققتْ جلودَ الشعراء. أفسدت أوروبا طباع الليل. اليهود والرعاة احتفظوا بذكورة الليل والقمر فكان الأمر لعنةً، وصحراءَ لا أمل في الخروج منهما إلى شيء. 

ملوك انجلترا وحدهم، كعادتهم في أن يكونوا وحدهم، قرروا أن يجعلوا الليل بلا جنسٍ، والقمر كذلك، مثلما قرروا أن يجعلوا طعامهم وعيونهم بلا شكلٍ ولا روح. وهكذا كان ال (نايت) الإنجليزي: ظلامٌ في صحنٍ بارد، بلا جنسٍ بلا رقةٍ أو خشونة، بلا هويةٍ رغم السهرات الطويلة لشيكسبير على الشرفة التي ليس لها وجود. 

 

لا ليل يشبه ليلاً. صوت الليل الذي خرج من فم المسيح كان (ليلى)؛ موجٌ آراميٌ مشبعٌ باليود والصدى والخوف. من أجل ذاك يتخلص الرب من الليل في الآخرة (لأن ليلاً لا يكون هناك). وبذا يعرف المرء أن الليل الذي عشنا في حضنه العمر لم يكن لنا به شأن على الإطلاق، فكل هذا الليل الذي رعى في العيون، كان رجلاً غير قادرٍ على الموت.